لم يعتمد الفنان على الأبداع في التمثيل والأخراج والتلحين والغناء فقط للوصول الى عقل المشاهد ويكتسب الشهرة التي تصل به حد النجومية واحترام الآخرين له ولفنه .. المطرب والموسيقي الناجح يتفحص كلمات الأغنية ولحنها قبل ان يبدأ التدريب على الأداء .. ولهذا يتساقط المطربون ( رجال ونساء ) ممن يحاولون استثارة الجمهور بكلمات سخيفة والحان تؤديها احيانا راقصة نصف عارية . فيما يبقى الأصل شامخا ولو ابدع اغنية واحدة في العام واشهر مثال على تجذّر هذه الحالة في الابداع عند العربي هو بيت شعر قيل منذ مئات السنين .. بغاث الطير كثير فراخها .. وام الصقر مقلاة نزور .. الصقر ينتج فرخ او فرخين في العام بينما اغلب الطيور تنتج العشرات .. واسهب الشاعر بالشرح لعقول ذلك الزمن بقوله :
ضعاف الطير أطولها جسوما
ولم تطل البزاة ولا الصقور
لقد عظم البعير بغير لب
فلم يستغن بالعظم البعير
فإن أكُ في شراركم قليلا
فإني في خياركم كثير
وما رمز اليه الشاعر العربي للمفاضلة بين المبدعين وعامة الناس ينطبق على البشرية ابتداء من اختراع ادوات الصيد والمحراث الى تصدّر المجتمعات وقيادتها ... انحراف المبدعين في اكثر المهن انتشارا بين الناس ( الغناء ) خاصة زمن الهزائم والأنكسارات . كما هو حال .. بعد العشا.. يحلى الكلام والفرفشه .. التي اطلقتها منيرة المهدية في الحرب العالمية الأولى حيث تقطعت اوصال الوطن العربي بدويلات تحت الأنتداب والأستعمار والأستيطان وصولا الى الأحتلال .. واغنية الطشت قال لي .. التي انتشرت بعد هزيمة او نكسة عام 1967 ... ليست جديدة على الحياة العربية .. قبل حوالي ثلاثة عشر قرنا كان معبد من اشهر المبدعين المغنين في المدينة المنورة .. يفد اليه المستمعون وهو لا يفد الا على الأشراف والخلفاء .. ينتقي افضل ما ابدع شعراء عصره ويغني .. سافر الى دمشق طمعا بعطاء عبدالملك بن مروان .. استراح في احد حماماتها قبل لقاء الخليفة .. التقى موسرا من اثرياء ذلك العصر فأراد لفت نظره بابداعه ..
غنى من ذهبيات جرير
غيَّضْنَ مِنْ عَبَرَاتِهِنَّ وقُلْنَ لي
مَاذَا لَقِيتَ مِنَ الْهَوَى ولَقِينَا
فلم يؤثر بمزاج الثري
اضاف له من قصيدة اخرى ٍ:
يا أُخْتَ نَاجِيَةَ السَّلَامُ عَلَيْكُمُ
قَبْلَ الرَّحِيلِ وقَبْلَ لَوْمِ العُذَّل
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ آخِرَ عَهْدكُمْ
يَوْمُ الرَّحِيل فَعَلْتُ ما لم أَفْعَل
لم يطرب الثري وامر عبيده باحضار مطربه الخاص لمماحكة معبد .. جاء المطرب بعوده .. عزف وغنى ..
سلـّور وقع بالقدر ويلي علوه ..
والمقصود سمكة سقطت في القدر .. ويلي عليها .. واضاف صادحا وهو مغمض العينين ..
وترميني حبيبة بالدراقن
وتظن حبيبة اني لا اراها ..
صرخ معبد .. واضيعتاه .. حمل اثقاله وعاد الى المدينة مستغنيا عن لقاء الخليفة وعطائه احتجاجا على الغناء عن السمك والدراق في عاصمة الدولة ..
ترى لو عاد معبد في زمننا هذا .. ماذا سيفعل .. وماذا سيقول ؟
وللحديث بقية ....
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور
login |