يعتبر دستور برقة الذي امر بوضعه الملك الليبي ادريس السنوسي عام 1944 وثيقة مهمة من وثائق التاريخ العربي الحديث ، وقد كفل هذا الدستور حرية العقيدة والفكر، والمساواة بين الليبيين وحرية الملكية ، واعتبر اللغة العربية لغة الدولة الرسمية ، ونص الدستور على أن حكومة برقة حكومة دستورية قوامها مجلس نواب منتخب .... ينتمي ملك ليبيا السابق محمد إدريس السنوسي إلى عائلة من الصوفيين الذي انشؤوا الزوايا الدينية في المغرب العربي . تونس الجزائر ليبيا المغرب مصر ( 146 زاوية ) .. للحفاظ على الهوية القومية والدينية لشمال أفريقيا زمن الهجمة الاستعمارية الغربية على تلك البلدان منذ نهاية القرن التاسع عشر . وكان المرابطون في تلك الزوايا يحظون باحترام السكان والقبائل التي تتصارع أحيانا على الأرض والماء والكلأ والثروة . وغالبا ما ينتج عن حضور سيدي المرابط إلى مكان الخلاف . وقف للقتال ثم المصالحة .. لم يسبق لأولئك المرابطين أن شاركوا أو أسهموا في حرب قبلية بين عرب ومسلمين ضد بعضهم بعضا.. حينما نزل أوائل الجنود الفرنسيين والايطاليين على الشواطئ العربية المغاربية تحولت زوايا المرابطين إلى مراكز تعبئة لمقاومة الاستعمار .. بدأت في الدواخل الصحراوية البعيدة عن المدن الساحلية الملوثة بالتجار من اليهود والإفرنج وبعض العرب المتكسّبين من الحكم الإفرنجي .. امتدت بنقاء مقاتليها المسكونين بروح الجهاد كما علّمهم إياه سيدي المرابط لتشمل المدن الكبرى والسواحل معتمدة على الصحراء المجهولة للمستعمر كعمق استراتيجي ..
حينما استقلت ليبيا بزعامة الملك محمد إدريس السنوسي كانت الجزائر تخوض حربا على أرضها وَقودها عشرات الشهداء يوميا .. وحربا أخرى على الأرض الفرنسية خاضها مقاتلو جبهة التحرير الجزائرية معتمدين على آلاف الجزائريين المقيمين في فرنسا وساندها مثقفون وفنانون من اليسار الفرنسي المناهض للاستعمار .. رجال مثل جان بول سارتر وهنري كورييل وجورج ارنو وروبير دافيزي ونساء مثل فيرا هيرود وهيلين كوينا وسيسيل فيردوران.
كانت ملايين الفرنكــات تسـيل من أيـدي العمـال والمتبـرعيـن إلى الشقق التي يقطنها فنانــون مع زوجاتهــم ومثقفـون متمـردون وبوهيميـون .. ثم إلى القطـارات والموانــئ لتصل إلى جبهــة تحريــر الجزائـر على ترابها.. واجهت الجبهـة معضلـة في أزمـــة السلاح الحديث ( في ذلك الزمن ) فقد تدخلت المخابرات الفرنسية لترويع المهربين الدوليين بكل الوسائل المتاحة حتى لا يبيعوا منه للجبهة .. سيارات ملغومة .. قتل .. موت مفاجئ .. مصادرة بواخر في عرض البحر.. ليس المصادرة فقط .. بل تتبع المنبع الصانع من خلال أرقام الأسلحة وهوية مصانعها..
حينما علم الملك السنوسي بالأمر . ولم يكن النفط مكتشفا في مملكته .. دعا الرئيس التركي عدنان مندريس لزيارة ليبيا .. استشار حميّته الدينية وأقنعه ببيع الأسلحة المتطورة ( قياسا لأسلحة الوطن العربي في ذلك الزمن ) الموجودة في مخازن الجيش التركي لمقاومة المد الشيوعي في الشرق الأوسط الى ليبيا لتسليح الثورة الجزائرية .. وهكذا وصلت سفينة أسلحة إلى ميناء بنغازي تحت غطاء من الجلود والفواكه التركية ... اشرف الملك بنفسه على محو ارقام البنادق والمدافع .. ثم حملتها الجمال الليبية إلى ميادين الثورة الجزائرية عبر الحدود المشتركة بين البلدين .. نحتاج إلى ثلاثة أمثال هذه الزاوية لنلخّص باختصار شديد.. دروب الأسلحة والمتفجرات والقتلة المأجورين والأموال في الحملة التي أطلقها معمر القذافي لمحاولة اغتيال زملائه من زعماء الوطن العربي.. ومعارضيه من الليبيين الفارين من جزّاريه الذين يطمسون اثار ضحاياه تذويبا بالاسيد او في مقابر سرية انكشفت مؤخرا .. والمدنيين في مقاهي أوروبا وطائراتها بما في ذلك حادثة لوكربي الشهيرة . والتعويض الذي دفعه سيف الإسلام من أموال الشعب الليبي لإقفال قضيتها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور