هذا العيد بائس ... مليء بالهموم والتوجس من الآتي .. خوف من المجهول الذي لا يمكن ان يتنبأ به احد .. عربياً لا ننتهي من نزيف دم حتى تنفجر شلالات من الدماء العربية هنا وهناك .. اعتدنا كل عام على شراء الضحية في عيد الأضحى الذي كنا في الزمن الماضي ننتظره ( اطفالاً ) لنأكل اللحم .. ففي ذلك الزمن لم يكن اباؤنا يفرطون بذبح رأس غنم او ماعز الا في عيد الضحية او اذا داهمهم ضيف كبير القيمة له الواجب حتى انه دخل مواد القانون في القضاء العشائري ليسمى ضيف ذبيحة وليس ضيف صوص دجاج ...

في البال حكاية من موروثنا الشعبي عن اللحم فذات حين جاء الى الكرك احد المترزّقين من التجارة وليس المستثمرين وفتح اول ملحمة في الكرك .. علق ذبيحتين بباب المتجر تحت سخرية الكركيين الذين لم يعتادوا بيع اللحم وشرائه . بل يذبحون لضيفهم ذبيحة ... كسدت ذبائح المستثمر حتى المساء وقرر اغلاق الملحمة والخروج من الكرك ولكن ضيفاً داهم كركياً في المساء وكانت اغنام الكركي بعيدة فاشترى اول ذبيحة من الجزار ... ومع هذا عشنا دون انّ نفقد البروتين من اجسامنا ..

ركضنا خلف الاغنام رعاة .. امسكنا بعود الحراث حراثين .. ضربنا بالطورية والفأس في المزارع والطرق التي شقتها الحكومة بمساعدة النقطة الرابعة ... لم نفقد عافيتنا واعتمدنا على لحم الضحية السنوي ولحم ذبيحة الضيف الطارئ .. ولا يغيب عن البال لحوم ذبائح حفلات الاعراس في الصيف ... فيما بعد كثر الجزارون وكثرت مطاعم الشاورما واصبحنا نأكل اللحم بين يوم وآخر ... ولكن الضحية بقيت تقليداً سائداً في منازلنا كل عام . حيث قفز سعر الجدي او الخروف الى مايعادل نصف راتب الموظف العادي او العامل ... اضف الى هذا، يا رعاك الله، عدد بنات الحرم المتزوجات بين العقبة والرمثا اللواتي اعتدن زيارتنا لهن كل عيد ونخجل ان نضع بيد الواحدة منهن اقل من عشرة دنانير ... هل نسينا علبة الحلو الصغيرة التي يجب ان نفرطها في الصينية للضيوف ؟ ... ذهب زمن الحامض حلو والملبس الملون والكعكبان ... اختفت من واجهات متاجرنا وظهرت بدلاً منها حبات الشكولاته الملفوفة بالورق الفضي وبأسعار لا تخطر لابائنا واجدادنا على بال ...

هل نسينا ملابس الاطفال والعابهم ؟ ... كل هذا ولم يتغير او يتحسن دخلنا الشهري رغم ان اغلبنا يحاول ما استطاع ان يعمل عملاً اضافياً حتى لو زاحم العمال الوافدين على نتع تنكة باطون او قفّة حجارة ... وبنفس الوقت وللمفارقة فأن كل واحد منا يحمل هاتفاً خلوياً ينفق على مكالماته اكثر من نصف دينار في اليوم ... وفي كل بيت من بيوتنا جهاز تلفزيون مع توابع الاستقبال الفضائي ليعشي نظرنا بسيل الدماء وجثث القتلى وصراخ الثكالى وانين الجرحى ويلوث اسماعنا باجتهادات اشباه الدارسين والعلماء الذين يتصارعون على الشاشات لاقناعنا برأي دون رأي ... هذا العيد بائس ...


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور