تمهيد
 
الأستاذ يحيى حاج يحيى شاعر مطبوع، وقاص ماهر، وروائي، وكاتب مقالة، يكتب للأطفال كما يكتب للكبار، فهو متعدد المواهب، ومواهبه كلها تمسح من هموم أمته، فهي شغله الشاغل، شغله إنسانها وقضاياه، في الأسرة، والحي، والبلدة، والمدرسة ، والجامعة، والمدينة، والوطن الصغير، والوطن العربي، وصولاً إلى الأمة الإسلامية، وإلى الفرد المسلم حيث كان، في جسر الشغور وحلب، أو في عمان وبغداد، أو في المدينة المنورة ومكة المكرمة، أو في أفغانستان والشيشان .. وتهمه قضايا التحرر من الاستبداد والفساد ، كما تهمه قضايا التحرر من الاحتلال الأجنبي، هذا هو مفتاح شخصية هذا الشاعر المتميز بروحه الجهادية ، وقد خاض العديد من ميادين الجهاد بالقلم وبالبندقية، وإذا أردت أن تتحقق من صحة هذه الدعوى، فاسأل عنها من يعلمها ويؤكدها، من إخوانه ، ومن كتاباته المترامية الأطراف، وهذا الديوان شاهد عدل من جملة الشهود على صحة هذا الزعم .. إنه مجاهد ، بكل ما تعنيه هذه الكلمة الجليلة من المعاني القريبة والبعيدة ..
وإن كنت في عجالة من أمرك ، فاقرأ في هذا الديوان : " في ليل المناجاة ـ نعمة الإسلام ـ مع الحق ـ بكاء لست أسمعه (قالها عندما أحرقوا بيته ، وشرّدوا أسرته الكريمة) ـ يوم التلاقي ـ شموخ (وقد دارت بها الألسنة في سورية الحبيبة وسواها) ـ أمان (في رثاء ابنته) ـ حنين (في نداء أمه التي غاب عنها) ـ لا عشت بعدك هانئاً (ردّ بها على زوجته التي شكت من كثرة غيابه عن أهله وأطفاله) ـ مهاجر (على خطاهم سار .. خطا المجاهدين الأبرار ، والشهداء الميامين الأطهار) ـ أتيت إليك (إلى المدينة المنورة التي ألقى فيها عصا الترحال في غربته القسرية (إلى عمان ، وبغداد ، وسواهما من بلاد الله الواسعة) ـ مشاهد اغتراب (رآها وهو يعبر من قطر إلى قطر) .
  هذه تنبئك الكثير عن صاحب هذا الديوان ، وإن أردت أن تستزيد ، لتعرف المزيد ، فاقرأ :
  " يا غارس الآس (في رثاء أستاذه الحسناوي الشاعر المجاهد ، فهو لا ينساه ، ومن ينسى أبا محمود الحبيب . ولا ينسى إخوانه الذين قضوا شهداء وأمواتاً في وطنه ، وفي أصقاع الأرض ، تحت كل نجم ، في بغداد ، وعمان ، ومكة والمدينة واستانبول ، بل في كثير من البلاد التي هاجروا إليها :
  قالت ( هزار ) أتبكي ؟ قلت إخواني          قد   خلفوني  لأشجان وأحزان
  قد طال ليل الأسى ، واغتال فرحتنا          بنو الجهالات من أحفاد شيطان
  واقرؤوا ـ إن شئتم ـ :
  أطلقوا البلبل (أبا راتب) ـ تهفو إليك الشام (في رثاء الداعية محمد عوض) ـ لوحة حزن (إلى الأحبة الراحلين) ـ أيها الثاوي بأرض الرافدين (في رثاء الأخ الدكتور أحمد مصطفى بيطار) ـ أقول غابت (في رثاء أمه وكثير ممن فقد) ـ عدنان تبكيك الرجال (في رثاء الأخ الداعية عدنان سعد الدين الذي قضى شهيد الغربة والدعوة في عمان في 1 / 8 / 2010 .
  هذه القصائد وأخواتها في هذا الديوان ، تعبير صادق عن العنوان (نفثات شآمية) ذي الدلالات على ما يعتمل في نفس الشاعر وعقله .. على آلامه ، وأحزانه ، على القهر والقلق على مصير الوطن أرضاً وشعباً وقيماً ، بعد أن ضرب فيها التخلف أطنابه ، حتى صارت في مؤخرة الشعوب العربية ، بعد ما كانت في الطليعة .
  وإذا كان العنوان ينبئ عن المضمونات ، فالإهداء طريق لاحب للولوج في أعماق الشاعر ، ومعرفة توجهاته ، وما يكنّه القلب ، وتضطرب به المشاعر ..
  أهدى ديوانه هذا :
  " إلى الأحبة الذين سلكوا طريق حمزة بن عبدالمطلب ، رضي الله عنه ، جهراً بالحق ، وأمراً بالمعروف ، ونهياً عن المنكر ، واستشهاداً في سبيل الله ، فكانوا وديعتنا عند الله الذي لا تضيع ودائعه ."
  هذا هو شاعرنا المجيد ، فهل عرفت من يكون ؟
  موضوعاته :
  من هموم أمته ، من هموم الإنسان المسلم كانت انطلاقته .. قام بعملية فرز ، وانحاز إلى الخير والخيرين ، وتصدّى للشرّ والأشرار في الداخل وفي الخارج ، فالشر هو الشر حيث كان ، والأشرار أشرار ، سواءٌ أكانوا من أبناء الشعب أم من الأغراب ، من الصهاينة والمتصهينين .. أو كانوا في الداخل حكاماً مستبدين ، يتعاملون بذلة وانحطاط مع (الخواجات) في الخارج ، ومع الأعوان من السفلة في الداخل ، أم كانوا من الشبان المائعين المتعلقين بكل غريب ، من دون أن يميزوا بين الخير والشر .. المهم (الموضة) الوافدة ، كالخنفسة والخنافس الذين نسوا مشكلات شعبهم ، ولم يخجلوا من أن يكونوا (خنافس) وهم طلاب في الجامعات تنتظرهم أمتهم ...
  نظم (الخنفوس) عام 1970 وهو طالب في الجامعة ، فتلقفها الطلاب والطالبات ، وسار بها من سار ، حتى غدت على ألسنة الكثيرين ، وهم لا يعرفون صاحبها :
  بكى   الخنفوس   لمّا  جندوه          وساقوه إلى ساح الجهاد
  فأعطِ الخنفسَ المخبول مشطاً          ومرآة ، فذاك من العتاد
  ويا بؤس أمةٍ فيها هؤلاء المنحرفون ، وقصيدته (اللص) من جملة الخنافس ، ونظمها عام 1969 .
  وتصدى ، في عدد من قصائده وقصصه الشعرية لموضة (المينو جيب) في قصيدة بهذا العنوان ، ولظاهرة النفاق والمنافقين في (منافق) وتصدى لمصّاصي دماء الفقراء من المرابين وسواهم ..
  وقدّم في قصيدته القصصية (صورة) قصة شاب انحرف عن الجادة ، بعد أن ترك إخوانه وصحب السفهاء الذين أغرقوه بالخمرة وما يتبعها من ألوان العهر والفجور ..
  قصة شعرية متكاملة الأركان ...
  وما يلفت النظر قوله :
  نحن لا نرجو عقابه          إنما نرجو مآبه
  يا سلام .. هذا هو التفكير الدعوي السليم ، فالداعية ليس جلاداً ، بل هو ناصح أمين ، ويرجو عودة الشاردين ، لا عقابهم . .
  بل إنه يرجو الخير للناس جميعاً ، مسلمين وغير مسلمين ، فها هو ذا يرد التحية للشاعر المسيحي جاك صبري شماس الذي تفيض قصائده حباً للعروبة ، وتمجيداً بالإسلام :
  يا  مرحباً بالشاعر النصراني          وبكل   حرّ   صادق   الوجدان
  ذكّرتنا بجميل صنعك (فارساً)          لله ـ يا خوريُّ ـ في الفرسان
  إنه يتذكر رئيس وزراء سورية المقدام : فارس الخوري ـ رحمه الله تعالى ـ الذي عاش ومات على ولائه للعروبة والإسلام .
  وفي (صرخة في المأساة) يرى أن أعداء هذه الأمة كثر ، ونحن منها ، نحن أعداء أنفسنا بتفرقنا وتمزقنا ، حتى كدنا نذهب أدراج الرياح :
  أنرجو عندهم عدلاً          وقد جاروا وقد ظلموا
  فآه    من    تفرقنا          حديثاً   ليس   ينكتمُ
  وآهٍ   من   تناحرنا          به    الآمال   تنهدم
  إن موضوعات هذا الديوان البديع ، تتوزع على القضايا الوطنية ، والعربية ، والإسلامية ، والاجتماعية ، والإنسانية ، وخاصة ما يلقاه هو وإخوانه في الغربة .
  ومن قصائده الوطنية أحيلك إلى (القضية والملف) و(مأسارية) وهي منحوتة من : مأساة وسخرية ، وتحكي قصة مناضل من العالم الثالث عشر ، يعيش في قطر مناضل بعيد عن كوكب الأرض .
  ومنها : (دعاء من أجل الوطن والإنسان) و(أنا وجاري وسهر الليالي) و(إليه في غربته) و(لا للإرهاب) و(قالوا اعتذر)و(على أسوار الوطن السجين) أهداها إلى الحقوقي الكبير الأستاذ هيثم المالح في سجون الظالمين .
  ومنها : (هذي الدماء من أطيب العطر) حكى فيها قصة تلك المرأة الدمشقية ابنة السبعين عاماً ، التي قتلها الآثمون في تشرين الثاني سنة 1981 في أحد شوارع دمشق الأمويين ، لأنها أصرّت على أن تموت دفاعاً على حجابها ... وسواها كثير ..
  وتناول في العديد من قصائد هذا الديوان ، القضية الفلسطينية ، وغزة المحاصرة المقاومة ، وأبطال الشيشان ، والأفغان ، والأتراك ، والبوسنة والهرسك وسيراييفو ...
  وما أروع هذا الكلام :
  حيفا كمكة ، والخليل كطيبة
  والكل كالبلد الحرام
  معك الكتاب وسنة الهادي الأمين
  فانهض بهمة صحبه
  وحذار من سوق المقايضة الذليلة
  متفائل
  وشاعرنا متفائل بأن المستقبل لهذا الدين ، مهما اشتدّ الظلام :
  إسلامنا     للنصر   قائدنا          وله  ، وليس لغيره ، الغَلب
  فسيعلم الإجرام إن عصفت         هممُ الرجال ، ودمدم الغضب
  في   أي   هاوية    نهايته          وبأي    منقلب     سينقلب
  (الأسلوب القرآني صاحب أثير للشاعر لا يكاد يفارقه : (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون)  ولهذا نراه يستنهض بني دينه :
  بني ديني ألا هبّوا          أماتَ القلبَ نومُكمو
  ففيكم ألف معتصم          إذا  شُدّت  حبالكمو
  قيم فنية وشعورية
  نلاحظ الكثير من القيم الفنية في شعر الأستاذ يحيى ، في هذا الديوان ، لعل من أبرزها :
  عينه على القرآن الكريم وأساليبه البلاغية ، وكلماته التي لا تغني عنها كلمات .
  ـ توظيف التاريخ ، فهو يستحضر (في قلعة جنكي) حادثة (ماء الرجيع) فالغدر بأسرى المسلمين في قلعة جنكي ، كالغدر الذي تعرض له المسلمون عند ماء الرجيع .. غدر المشركين الجدد ، كغدر المشركين القدامى ..
  ـ وقد نرى بعض المعاني والصور مأخوذة من بعض الشعراء المشهورين ، وهذا عائد إلى الخزين الكبير الذي تحتويه ذاكرته الحية ، وثقافته التراثية .. ولكن .. تبقى له خصوصيته فيما استفاد وصاغ .
  ـ له احتفال بالصور التي تحمل المعاني على أجنحة لطيفة من خياله الذي لا يجمح به بعيداً عن الواقع المعيش .
  ـ بُعده عن الغموض الذي أزرى بذويه من الحداثيين .
  ـ له اهتمام بالقصّة الشعرية ، بأركانها وعناصرها .
  ـ ظاهرة الحزن واضحة في الديوان ، كوضوحها على وجوه المغتربين منذ ثلاثة عقود .
  وأنت تقرأ هذه النفثات ، لابد أن تتجرع الغصص .. فحال الشعب السوري ، وحال الشعوب العربية ، وحال الأمة الإسلامية ، لا تسر صديقاً ، ولا تغيظ عدواً ، وهذا ما يجعل الأحزان تلمّ بالشاعر ، فيضطرب ، ويفضي بما في نفسه وقلبه من مشاعر الحزن ، والقلق ، حتى تصير حالة تشمل الديوان كله ، ليكون ـ بحق ـ نفثات شاعر شامي رأى ما رأى ، وعانى ما عانى ، في وطنه وفي مغتربه ، ففاضت آلامه ، وجأر بالشكوى من هذه الشعوب البئيسة التعيسة ، ومن الذين ساطوها بسياط الذل والقهر ، ودفعوها دفعاً إلى أودية التخلف والهلاك ..
  ـ ولكن الشاعر ، برغم كل هذا الظلم والظلام ، يبقى متفائلاً بانتصار هذا الدين ، وانتصار معتنقيه عقيدة وسلوكاً ، ولو بعد حين ، فالأمل في جيل الصحوة كبير ، ولابد أن يبقى كبيراً ، من أجل أن يعلو هذا الدين ، ويستعلي أحباؤه على هذا الحطام الذي يختصم الناس حوله .
  للشاعر بصيرة نافذة ، وعيون بصيرة ، وآذان سميعة ، وعقل حصيف ، يعي ما يدور حوله في وطنه الأصيل ، وفي الوطن العربي ، وفي العالم الإسلامي ، إنه يقرأ الحوادث بوعي ، ويدلي بدلوه لاستنقاذ كل (يوسف) ألقاه الظالمون في (الجبّ) بوعي وتآمر ، أو بجبن ومصالح .. إنه يجوب بلبه الآفاق ، ويستقري التاريخ ، فقد يعيد التاريخ نفسه مرة أو مرات ، ولا ينبغي للمثقف الملتزم إلا أن يكون ذا رأي ثاقب ، وإحساس شفيف ، وما يكون هذان إلا بتلك ..
  إنه برغم اغترابه القسري ينهض بواجبه ، جهد المقل ، وكلنا مقل في غربتنا القاسية التي سيحاسب التاريخ مجترحيها ، وما عند الله ـ الذي نسوه وجحدوا يوم الدين ـ أشدّ وأنكى ، لو كانوا يعقلون ، أو كانوا مؤمنين .
  وختاماً :
  أدعو الدارسين إلى الكتابة عن غربة الشاعر وإخوانه ، وعن المأساة والكوارث التي نزلت بوطنه ، فألجأته وكثيراً من إخوانه إلى الهجرة ، ففيها أنفاس وطنية ، وإنسانية نادرة .. ليس في هذا الديوان الذي نظم قصائده ما بين 1969 و 2010 فحسب ، بل في سائر ما كتب الشاعر .
  صدر هذا الديوان عن دار الضياء في عمان ـ الأردن ، في 216 صفحة من القطع الكبير.
  وصلى الله على سيدنا الرسول القائد محمد ، وعلى آله الطاهرين ، وصحبه الغرّ الميامين ، وزوجاته الطاهرات العفيفات أمهات المؤمنين ، وعلى الدعاة العاملين إلى يوم الدين .

المراجع

odabasham.net

التصانيف

شعر  شعراء  أدب  مجتمع