في عام 1990 بعد معاهدة كامب ديفيد وقبل معاهدة اوسلو واتفاقية وادي عربة .. كانت كل المؤشرات تدل على احتقان في فلسطين المحتلة .. كان الإسرائيليون يجهزون لتهجير الاف الناشطين من رجال ونساء الانتفاضة التي خبت في ذلك الحين وبقيت جمراً تحت الرماد .. كانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية موزعة بين تونس واليمن .. كان مشروع التهجير يتجه الينا في الاردن طالما سلكت الطريق الى مخيمات الوحدات والطالبية وسوف وجبل الحسين والزرقاء والبقعة منذ حرب عام 1948 .. وفجأة انفجرت الحرب في الخليج بغزو العراق للكويت في الثاني من شهر آب .. قبل ان ينتهي الشهر استقبلنا في المملكة حوالي مليون لاجيء هندي وباكستاني ومصري وفلسطيني واردني وسيريلانكي وفلبيني واوروبي .. كل هذه الجنسيات جاءتنا من الشرق وكنا نتوقع الهجرة لآلاف يأتون من الغرب ..
انشغلت وزارة الداخلية والتنمية الاجتماعية ومنظمات الامم المتحدة في الإيواء والتسفير وبقي في المملكة اربعمائة الف اردني من العاملين المقيمين في الكويت وهو رقم لا يستهان به في بلد محدود الموارد عانى حينها من قطيعة تامة ان لم يكن عداء من دول الخليج .. ومع هذا استوعبنا الصدمة بتوفير الخدمات لآلاف المساكن الجديدة التي بناها الاردنيون العائدون من الكويت بما توفر من اموالهم .. كبرت المدن والقرى بين عشية وضحاها .. ازدادت المتاجر والصناعات الصغيرة والكبيرة وتأقلم الجميع مع الحالة حتى جاءتنا الهجرة التالية من العراق بعد حرب الخليج الثانية وكانوا عراقيين هذه المرّة .. لم يزل الكثير منهم في المملكة حتى يومنا هذا ...
ترى هل نحن بانتظار هجرة جديدة من الشمال هذه المرّة اذا استمرت الازمة السورية في تصاعد يصل الى حد الصدام بالأسلحة الثقيلة ؟؟. حيث تهدم المنازل في المدن ويهرب اصحابها حاملين الفراش والغطاء بحثاً عن مكان آمن لعوائلهم .. في البال الاف العمال السوريين الذين عملوا في المملكة بمهن البناء خاصة ومثلهم لاجئون سياسيون هاربون من احكام لأجهزة الامن السورية قبل محاكمها ... وفي البال ايضاً تشابك جذور العشائر الاردنية السورية على طول الحدود ابتداء من سما الروسان في الغرب وانتهاء بفيضة الشعلان في الشرق .. ذات حين كان الشيخ هايل السرور ( والد المهندس سعد ) عضواً في البرلمان السوري .. وكانت ولاية الشيخ سعود القاضي تشمل قبائل بني خالد في شمال سوريا وشمال الاردن ... تخوّفُ جلالة الملك من هذه الحالة كما وصفها في حديثه لهيئة الاذاعة البريطانية لم يأت من فراغ .. فهو على معرفة بما يجري في المنطقة اكثر من الكثير من الساسة العرب . وهو على وعي تام بالحالة السورية منذ انتفاضة درعا ضد المحافظ الذي سجن اولياء امور ثلاثين طالباً خربشوا على الجدران في المدرسة والشوارع احتجاجات ضد النظام السوري متأثرين بما شاهدوه من احداث تونس ومصر .. ارسل رئيس ديوانه ليشرح للنظام السوري طريقة استيعاب الاردن للاحتجاجات الشعبية في عمان واربد والكرك ومعان .. وتوالت الرسل من عمان الى دمشق تقول للرئيس بشار الاسد كن اخاً وأباً لجميع ابناء شعبك .. الموالين والمعارضين .. اصلح من نظامك السياسي وكن الداعي للحرية والديمقراطية قبل أي سوري آخر ..
مبادرات جلالة الملك مع النظام السوري ترتكز على ادراكه التام لحيوية الجوار بين البلدين في جميع مناحي الحياة لشعبيهما .. الاستقرار في سوريا كان ومازال همّ الاردنيين منذ المملكة الاولى وحتى المملكة الرابعة . رغم مناكفة صبيان البعث بإرسال المتفجرات مرّة واغلاق الحدود مرآت كثيرة .. يقتحم الشبيحة حرم السفارة الاردنية في دمشق على مرأى ومسمع من الامن السوري .. اما في عبدون فلم يستطع اي متظاهر ان يقترب من جدران السفارة السورية طوال فترة الاعتصام التي بدأت ولم تنته حتى الان .. لا شك اننا بانتظار الهجرة الثالثة من الشمال بحكم قربى الدم والجوار .. اما تهديد الرفيق نصر الله من بيروت لنا بالخلايا النائمة فينطبق عليه المثل الاردني القديم .. يارم افزع لشيحان ...
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور