ذات حين؛ لا يذكره الجيل الحالي . انطلق صوت العرب من القاهرة مسنوداً بأربع محطات اذاعية عربية بتجييش بعض الحزبيين الأردنيين وأصحاب الأجندات الخاصة في ذلك الزمن . أضيف اليهم مجموعة من الرعاع والعاطلين عن العمل في المدن . امتلأت الشوارع الرئيسة بالمتظاهرين . ضبط الجيش نفسه بانضباطه التاريخي في اطاعة الأوامر . تراجع الجنود عن محيط المظاهرات وهو يطلق النار في الهواء . لم تكن قنابل الغاز المسيلة للدموع جاهزة في المصانع الغربية لتصل الينا في منظومة المساعدات الكلاسيكية ... انقطعت امدادات البترول ووقفنا صفوفاً بأباريق التنك ( قبل اختراع البلاستيك ) ننتظر دورنا لشراء رطل كاز للفانوس الذي يضيء عتمة ليلنا وللبريموس؛ الذي نطبخ عليه طعامنا . فقد أغلقت الحدود السورية التي يأتينا البترول المكرر عبرها من لبنان .. وامتنع الجيران في الشرق عن ارسال طائرة بنزين وطائرة كاز على اعتبار أن بلدنا أصبح في حكم المنتهي أمره ... تجاوزنا المحنة بصمودنا والتفافنا حول العرش والملك الذي لم يبقِ على صاحب رأي الاّ واستشاره ... خلال أيام انقشعت الغيمة السوداء وارتفع هدير المطاحن وخرجت طرحة الخبز من الأفران وتدفقت الحياة في عروقنا وشوارعنا ومراعينا ومعسكراتنا وحقولنا ...

الان ونحن نعاني من أزمة اقتصادية تمسك بخناق كثير من الدول الغنية والفقيرة يريدون اغلاق حدودنا مع سوريا لتنفيذ العقوبات الاقتصادية . وهم لا يعرفون أن كل عشرة عائلات على الأقل في الأغوار تعيش من الناتج الذي يملأ شاحنة بندورة أو خيار تشحن عبر الممر الوحيد من دير علا الى أسواق أوروبا .. ولا يعرفون أن أغلب وارداتنا من السلع الاستراتيجية للمصانع -التي تكاثرت بعد معاهدة السلام مع اسرائيل واستثمر بعض أغنيائهم فيها- تأتي عن الطريق البري عبر سوريا ..

لا يعقل أن تنتقل بالطائرات مع قطع الغيار للماكنات التي تدور في المناطق الصناعية وخلفها مئات العمال الذين يطعمون مئات العائلات كفاف يومها من الخبز ... ولا يعرفون ان شاحنات بضائعنا تعثرت في الطريق بين العقبة والصحراء الغربية المصرية في طريقها الى ليبيا تحمل الغذاء والدواء لآلاف الجرحى والمصابين في سبها وفزّان وبنغازي وطرابلس ... ولعلهم يعرفون ويتجاهلون .. ولهذا لا بد من حملة سياسية واقتصادية لاقناعهم بتعويضنا عن الخسارة التي تلوح في الأفق ..

لا يعقل ان تشتري دولة غنية انتاج مزارعيها بضعف الثمن الذي تبيعه في السوق .. وبنفس الوقت تخمّجت الخضراوات الأردنية في الأغوار وتصبح نفايات غير صالحة يرقبها المزارع بحسرة وهو يجتر ذكرياته في انتاجها؛ ابتداء من الشتل وانتهاء بالقطاف ... الطريق من عمان الى بغداد ثم داهوك في أقصى الشمال والانعطاف عبر تركيا الى مضيق البوسفور يشبه انعطافة ناقلة نفط من مضيق باب المندب لتدور الى رأس الرجاء الصالح حول شواطئ أفريقيا لتصل الى أوروبا أو أمريكا ...

من تحرق يده النار يصرخ مستنجداً . يجترح الحلول بكل وسيلة رغم فرجة الآخرين عليه .. فكيف اذا كانوا أشقاء ؟؟؟


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور