ذات حكومة عابرة للستينيات من القرن الماضي، جاء أحد الوجهاء المتنفذين الى رئيس وزراء ذكي ومغلول اليد في التركيبة السياسية لحكومته، المتنفذ يطلب تحسين وضع احد المدراء بترفيعه، أجاب الرئيس بنبرة الخانق المغلوب، فلان بتكفيه بركة ايده، بركة اليد هي ما يستطيع المدير أن يضع في جيبه من رشوة، الرئيس لم يستطع طرد المدير لأنه بحاجة الى المتنفذ في البرلمان لتمرير قانون يؤثر في مصير الناس، ولا بأس من غض النظر عن أبو نظارة حتى تأتي الفرصة لكنسه من فوق الكرسي.

بعد خمسين عاماً من تلك الحادثة، نجد ان النسغ اياه لم يزل يغذي أغصان الشجرة، فبركة اليد التي طالت موارد وحاول بطلها دفع بعض من جماعته الى الشارع مطالبين بمحاكمته في المحاكم المدنية ليخرج بالكفالة ثم يمزط من البلد لتبدأ عملية البحث عن إفطيم بسوق الغزَالات، لم تزل هذه البركة غاية المدير بوسائل متعددة يتقدمها المنصب والكرسي.

فحسب الدستور (11/12/2011) كشف ديوان المحاسبة الذي كفت يده وهمّش عمله في العقدين الماضيين، أن مؤسسة المدن الصناعية قامت ببيع قطعة أرض لشركة أو مستثمر أو متنفِذ في المرحلة الثالثة من مدينة العقبة الصناعية بمبلغ 9 ملايين دينار في حين أن قيمتها الفعلية تبلغ 52 مليون دينار وبعض فراطة المليون. أي هناك فائض 43 مليون دينارا من بركة اليد التي كانت لا تتجاوز خمسمائة دينار في الستينيات وأحياناً تصل الى الألف، وهذا فارق فاحش في القيمة الشرائية بين بركة اليدين خلال نصف قرن.

الباشا سميح بينو رئيس هيئة مكافحة الفساد يتحدث عن أرقام مرعبة لقضايا الفساد في المملكة منذ انشاء الهيئة ومباشرتها لأعمالها حتى هذه اللحظة، هناك ثمانون قضية لدى المدعي العام داخل الهيئة، غير القضايا الكبيرة مثل قضية موارد وصندوق المشاريع التنموية وجر مياه الديسي وعمولة مبنى القيادة العامة واستخراج الذهب من السودان وبناء نادي الضباط في دابوق ومنتجع سويمة.

والأهم من كل هذا أن بعض النواب يتدخل لدى الأجهزة الرسمية؛ لإدخال شحنات الذرة المتعفنة والأسماك الفاسدة الى السوق المحلية؛ لتسمم الناس والحيوانات والدواجن، وهناك أرقام تدعو للدهشة، فقد أحالت الهيئة 16 وزيراً ورئيس وزراء بالاضافة الى أشخاص من الوزن الثقيل لم يسمهم رئيس الهيئة الذي أنقل حرفياً من حديثه في جمعية الشفافية الأردنية وخلف هؤلاء الثقيلين أرقام مالية كبيرة.

لأول مرة يعلن رئيس هيئة مكافحة الفساد أن اسئلة البورد الطبي الأردني بيعت مقابل المال وتدخلت الهيئة لوقف عملية البيع واعادة الامتحان ولم يعلن عنها حرصاً على سمعة الطب الأردني، يضاف الى جردة الحساب هذه قضايا كثيرة صنفها الباشا باسم الفساد الصغير ولعل أبطاله من صغار الموظفين الفقراء الذين يكتفون بخمسة أو عشرة دنانير (لتمشية) معاملة معطَلة في ملف، في الستينيات من القرن الماضي كنت مأموراً للاسلكي في مخفر الشوبك، جاء كتاب موجه من الرئيس الشهيد وصفي التل وبتوقيعه الى قائد مخفر الشوبك يطلب فيه ملاحقة طوّاف احراش واسترجاع دينار ونصف الدينار من بركة يده أخذها رشوة للسماح للحطابين بقطع ما تبقى من أحراش الشوبك التي حصدها جمال باشا السفاح وقوداً للقطار في الحرب العالمية الأولى، بعد عودة الدينار ونصف الدينار الى مالية معان تم طرد الطوّاف.

من يلومنا على الصراخ لكشف الفساد ومعاقبة المفسدين الصغار والكبار؟.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور