لم تزل نبوءة براد بري في روايته فهرنهايت 451 تحمل ملامح من عالمنا رغم أنه كتبها قبل أكثر من خمسين عاماً . عنوان الرواية هو درجة الحرارة التي يحترق فيها الورق . وبطلها رجل اطفاء واجبه معكوس تماماً .. فبدلاً من اطفاء الحرائق يقوم باشعالها لحرق الكتب في دولة ذات نظام شمولي ترى في التلفزيون بحرا من الأصوات والألوان يقدم الأفكار جاهزة لصياغة الرأي العام . بينما الكتب تنتقد وتتحدث عن أناس لا وجود لهم ... يعرف أهل المدينة ان كتاباً أو كتباً ستحرق عندما يسمعون بوق سيارة الإطفاء في شارعهم . يقاومون رجال الاطفاء بوسيلة لا تخطر على بال ... كل رجل او امرأة حفظ كتاباً حتى صار هو الكتاب ... رجل هو الكوميديا الإلهية . امرأة هي هاملت ... متشرّد أشعث مهلهل الملابس هو الحرب والسلام ... يدافع عن مظهره بقوله ... لا تنظروا للغلاف الممزق . اسمعوا من المحتوى في داخلي ...

ربما قرأ براد بري عن حريق مكتبة الإسكندرية عام 48 قبل الميلاد ( 700 الف مجلد ) وحريق مكتبة بغداد عام 1258م ( ثلاثة ملايين مجلد ) التي وصفها ول ديورانت في قصة الحضارة بأنها مجمع علمي ومرصد فلكي ومكتبة عامة . فتخريبها وحرقها لم يزل سبّة في تاريخ هولاكو الذي أصبح اسمه رمزاً للهمجية والدمار على مر العصور .. ولو عاش براد بري الى يومنا هذا وشاهد حريق المجمع العلمي المصري على يد الرعاع والغوغاء الذين يطالبون بالحريّة والديمقراطية لصفق يديه تعجباً على طريقة العرب . واستذكر ذلك الفصل من روايته 451 فهرنهايت الذي يمجّد التلفزيون وسيلة تثقيف وتعليم بدلاً من الكتب . فالذين علمتهم مواقع التواصل الإلكتروني وثقفتهم على الشبكة العنكبوتيّة للتظاهر والمطالبة بتغيير النظام وجدوا في طريقهم مئات الآلاف من الكتب والمخطوطات النادرة في المجمع العلمي فأحرقوها ... ليست صدمة لعلماء مصر ومفكريها . بل هي صدمة لجميع المثقفين في الوطن العربي والعالم . وستبقى عاراً على شباب مصر الذين غيّروا نظام بلدهم بالاحتجاج السلمي المنظم ونالوا اعجاب الآخرين في العالم العربي والعالم قاطبة . فقد قلّدهم في صبرهم داخل ساحة التحرير بالقاهرة أغلب المحتجين في أوروبا وأمريكا . حتى أن مناهضي سياسة وول ستريت في نيويورك احتلوا الشوارع المحيطة بالمبنى وأقاموا فيها على الطريقة المصرية .. شتّان ما بين المصريين الذين قاموا بحماية المتحف المصري من مشروع نهب وتخريب وحريق وبين أولئك الذين احرقوا أكبر وأقدم صرح علمي في الوطن العربي ...


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور