يعتبر توفيق ابو الهدى من اكثر الرجال الذين تولوا رئاسة الحكومة منذ عهد الامارة وحتى المملكة الثالثة .. فقد شغل منصب رئيس الوزراء 12 مرة في عهد ثلاثة ملوك وكان في نزاع دائم مع المعارضة .. قاسيا على كل من ينتقده .. لا يتورع عن ارسال بعضهم الى السجن مستعينا بقانون منع الجرائم .. وعلى الجانب الاخر كان هناك رجال لا يتورعون عن المجاهرة بمعارضة ابو الهدى وبطريقة تصل الى حد الشتم .. حينما كان الشاعر مصطفى وهبي التل متصرفا للبلقاء في حاضرتها السلط . تخرج الوزير والنائب السابق عبد الحليم النمر الحمود في كلية الحقوق في الجامعة السورية وقدّم طلبا للعمل في وزارة العدل .. وقد شك أن ابو الهدى الذي كان رئيسا للوزراء ووزيرا للعدل .. وجّه اللجنة الطبية لتأخذ قرارا بعدم لياقة عبد الحليم صحيا لضعف في بصره فأبرق من السلط الى رئيس الوزراء يقول له ( ان اللجنة الطبية التي أوعزت اليها بأن تقرر أن في بصري ضعفا تناست أن تقرر أن في عقلك ضعفا وانت رئيس الوزراء ) على أثرها ألقي القبض على النمر وأودع السجن المركزي في المحطة ..

وظن ابو الهدى أن صيغة البرقية من تأليف مصطفى وهبي التل الذي امتازت اشعاره وتعليقاته بقارص الكلمات والمعاني فاتصل بالمتصرف التل هاتفيا وعاتبه كيف يجيز ارسال برقية نابية الى رئيس الوزراء وهو يشغل مركزا هاما .. أجاب مصطفى التل بقوله ( لا علم لي بالبرقية ومع هذا فأن الذي قاله عبد الحليم النمر الحمود هو عين الواقع ) وما كان من ابو الهدى الا أن عزل شاعرنا عرار من منصبه وأرسله الى سجن المحطة ليلحق بعبد الحليم ... كان عرار أثيرا عند العائلة الهاشمية .. طلب منه ولي العهد الامير طلال ان يقدم اعتذارا لأبي الهدى تمهيدا للافراج عنه ولكن عرار رفض مؤمنا برأي عبد الحليم النمر الذي فاز في العام التالي فوزا كاسحا في انتخابات المجلس النيابي واصبح من اشد خصوم حكومة ابو الهدى حتى أنه أصر على قراءة عريضة ناقدة للحكومة موقعة من محمد عبد الرحمن خليفة وضيف الله الحمود وحمدي فريز وراتب دروزة وعبد الحكيم معاذ وعبد الرزاق خليفة والمحامي عطا الله المجالي ومحمود المطلق .. قرأها سكرتير مجلس النواب عبد الحليم عباس وأصبحت الحكومة ملزمة بنشرها في الجريدة الرسمية باعتبارها من وقائع جلسة المجلس ..

وهكذا تفرّق موقعو العريضة الى المنافي في باير والقويرة ووادي رم .. ومن المفارقات أن قائد مخفر باير جزاع الدريبي استقبل المنفيين كضيوف واصطحبهم الى رحلات الصيد وعلّمهم ركوب الابل والرماية من البنادق احتراما لعائلاتهم وعلومهم التي درسوها .. وهو على ثقة أنهم سيتبوأون المناصب المهمة في المستقبل .. وهذا ما حدث .. ومن المفارقات ايضا ان عبد الرحمن ارشيدات كان عضوا في لجنة الوصاية على العرش فيما كان ابنه نبيه مطاردا لانتمائه للحزب الشيوعي .. من المفيد ان نعرف أنه لم يسجّل في زمن أولئك الرجال حالة اختلاس واحدة فقد كان همهم منصّبا على بناء الوطن وليس نهب رزق شعبه ...


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور