لم يتغزل شاعر أردني ولا عربي بتراب وطنه اسماء ونباتاً وأنهاراً وجبالاً ورمالاً مثل شاعر الأردن “عرار” مصطفى وهبي التل.. فقد جمع اسماء اربع قرى ومدن في صدر بيت شعر واحد: قسما بماحص والفحيص والطفيلة والثنية.
وفي قصيدة العبودية الكبرى كما سمّاها محقق عشيات وادي اليابس الاستاذ الدكتور محمود السمرة خصص عنوانا لعدة ابيات من القصيدة التي تنوف على 67 بيتا وهو أوابد الاردن التي يقول فيها:
يا بنت وادي الشتا هشت خمائله لعارض من وسميّ مبدار
وثغرة الزعتري افترّ مبسمها عن لون خدّك اذ تغزوه أنظاري
وسهل اربد قد جاشت غواربه بكل أخاذ من عشب ونوار
ان الشماليخ في حصن الصريح لقد حالت الى عسل يا بنت فاشتاري
ما بعد خبّيز وادينا وخبزته وبيض عكّوبنا مير لممتار
في هذا الشتاء والشتاء الذي قبله وقبله فقدنا العكّوب الذي كان مؤونة الفقراء في الارياف وطعام الأغنياء في المدن.. كان يتصدر واجهات اسواق الخضار في شارع طلال ومقابل مطعم هاشم وقد أحاطت اشواكه بالبيضة الداخلية كأنه يحميها.. وعندما يكبر في السهول والتلاع يصبح شماليخا كما وصفها ابو وصفي وقد رآها في اراضي البور بين الحصن والصريح.
كنا نأكل سيقانها ونحن صغار وكان طعمها حلوا وقد وصفه شاعرنا بالعسل.. هذه الشماليخ تصبح بلون السنابل وقت الحصاد.. تتفتت مئات البذور من العكوبة الواحدة لتذروها الرياح في السهول والجبال والوديان لتنبت عكوبا جديدا في الشتاء التالي.. قلت اننا فقدنا العكوب لأكثر من ثلاثة مواسم لأن أهل المدن من الفقراء اولا ومن حديثي النعمة ثانيا بدأوا بغزو اريافنا بالسيارات والباصات واقتلعوا العكوب من جذوره حتى لم تبق عكوبة واحدة تكبر حتى تصبح شمليخة كبيرة تنثر بذورها زمن الحصاد ليتجدد نسلها بين الجبل والوادي.
ليس العكوب وحده الذي فقدناه.. فقد اختفى القعفور والربحلا والبرّيد والجلبّان الذي كان يزين حقول قمحنا في فصل الربيع وكان فاكهة أبناء الأرياف خلال ثلاثة أشهر.. اهتم المهندسون الزراعيون باستنبات الميرمية والخزامى والزعتر البري واللوف والرقيطا التي كانت تزيّن طبخة الرشوف على موائدنا مع الفلفل الاخضر اليابس والعدس والحمص.. ولكنهم أهملوا بقية نبات أرضنا غير المجدي معهم تجاريا.
من يدلني على نبتة عكوب استعيد بها ذكريات الطفولة واستمتع بوخز أشواكها ليدي ولساني؟.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور