أتحفني عالِم الفلكلور الأردني الاستاذ الدكتور هاني صبحي العمد الذي تواضع واصفاً نفسه بالمهتم في الفلكلور بدلا من وصف العالِم الذي اطلقته عليه في هذه الزاوية وأنا أتحدث عن جوائز الدولة التقديرية بالكمش وأصررت على وصفه بالعالم بعد أن قرأت له ستة كتب في دراسات الفنون الشعبية الاردنية بدأها بكتابه أغنانينا الشعبية في الضفة الشرقية من الاردن الذي صدر عن دائرة الثقافة والفنون عام 1969.ولم أقرأ لباحث اردني اخر هذا الكم من المؤلفات عن الفلكلور الاردني ... اتحفني أبو طارق بكتابه القيّم (أحسن الربط في تراجم رجالات من السلط) .. منشورات البنك الاهلي الاردني الذي قدّم فيه 320 شخصية سلطية عاشت في المدينة خلال ثلاثة قرون من الزمن أورد اسماءها حسب الاحرف الهجائية ... بدأ الكتاب بابراهيم الحارس 1882 _ 1962 وأنهاه بترجمة حياة شخصية مؤثرة اجتماعيا واقتصاديا في المملكة وهو يوسف السكر 1860 _ 1932.
ويبدو في الكتاب جهد الباحث المتقصّي الذي لم يكتفِ بالمراجع المكتوبة بل تابع حياة شخصياته السلطية بالحديث والسؤال مع الابناء والاقارب الذين يروون عن الاباء والاجداد .. تعود علاقتي بالسلط الى احاديث والدي الذي حمل جثمان جدي منصور المعلا على بعير من المستشفى الانجليزي في السلط حيث توفى هناك ودفن في قرية غريسا شمال مدينة الزرقاء .. وذات سنة قحط يروون في قبيلتنا عن رجل زيودي حمل خصفة تمر على ظهره من السلط الى غريسا ليطعم عياله .. اقتربت من السلط أكثر حينما كتبت وأخرجت مسرحية بيادر وحكايات لمهرجان جرش عام 1984 واعتمدت على شباب وشابات السلط لأداء أدوارها التمثيلية والاغاني والدبكات المصاحبة لها .. وفوجئت أن المدرب فيصل أبو العوف وبعض الشباب السلطية يحفظون كافة مفردات الأغاني التي نقلتها من أفواه الرواة في قبيلتي بني حسن .. بل هم يضيفون لها من مخزونهم حداء وأشعاراً كانت غائبة عن بالي .
وفيما بعد كنت أتردد على مضافة العربيات في العيزرية لتقديم واجب العزاء لأصدقاء كثيرين منهم ... في الصفحة 109 يترجم هاني العمد للمرحوم الاستاذ والوزير حكمت الساكت الذي درس في كتاتيب السلط ثم التحق بمدرستها الثانوية وزامل كوكبة من الأعلام فيما بعد .. يتتبع الباحث السيرة الوظيفية لحكمت الساكت منذ أن اصبح معلما في الكرك بالدرجة السابعة عام 1951 حتى أصبح وزيرا لشؤون رئاسة الوزراء في حكومة طويل العمر مضر بدران عام 1991 وقد بلغت خدمته 38 عاما .. يصف الباحث صاحب الترجمة بأنه من جيل اقام صروحا من الاخلاقيات والمبادئ السامية .. كان عادلا بين موظفيه ومراجعيه .. رائده التوفير وعدم هدر المال العام .. وكان صاحب لازمة (أبيش) التي تعني ما فيه باللهجة السلطية وذلك عندما يطلب منه تخصيص اموال لمشاريع ... ولي انا كاتب هذه السطور تجربة مع حكمت الساكت تؤيد كل ما ورد في ترجمته بقلم هاني العمد ... في عام 1980 كنت اعمل في وزارة الثقافة بالمياومة .. جاء الوزير الشاعر المتمرد حيدر محمود مديرا لدائرة الثقافة والفنون .. شكوت له أمري فأخذني بسيارته الى دائرة الموازنة العامة وطلب من الوزير المخضرم سامي قموه أن يرصد لي 150 دينارا راتبا شهريا في الموازنة القادمة .. أمسك سامي بقلم الرصاص وأضاف خمسة دنانير الى الراتب المقترح الذي ظهر في جدول تشكيلات العام التالي .. وصل القرار الى وزير الثقافة الجديد فقرر انقاص الراتب الى 120 دينارا .. جأرت بالشكوى في أروقة الدائرة فنصحني الشاعر خالد محادين بمقابلة الرئيس مضر بدران ... بعد ثلاثة أيام من طلب المقابلة وجدت نفسي في مكتب وزير الدولة حكمت الساكت .. وللدهشة كانت جميع وثائق تعييني أمامه ؛كان طلبها من ديوان الموظفين .. شرحت له بصوت المظلوم أن الوزير أنقص راتبي المقرر في الموازنة .. امسك بالقلم وقال ( ليش هو دافع من جيبة أبوه ؟ ) .. حينما قرأت كلمة ( أبيش ) في كتاب هاني العمد .. تذكرت ذلك الجيل من الرجال الذي يميّز بعقله بين راتب موظف محتاج وبين طالب موازنة لمشاريع مشكوك في أمرها ... وللحديث بقية ....
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور