أصابت الحكومة بانتدابها القاضي العشائري الشيخ بركات الزهير الذي كان الأردنيون يستعيرون بيت أهله (الشعر ) ويبنونه في اكثر من مكان في المملكة لأجراء الصلح العشائري تحت ظلّه تيمّناً بحظ اصحابه ... لم يجتمع متخاصمون في بيت الزهير الاّ اصطلحوا ... اقسم لي أحد الرعاة أن أغنام معلانه ( معلمه ) أصيبت بمرض معد أقعد بعضها ... تحرك بها الراعي هربا ً من وخم المرعى ... صادف بيت الزهير في طريقه فدفعها نحوه ... لم يعترض أصحاب البيت بل هم بدؤوا يرددون الأدعية بشفائها وهي تعبر البيت وتخرج ... أقسم الراعي أن الأغنام تعافت بعد يومين ... حينما نسبت النتيجة الى تغيير المكان والمرعى غضب كثيرا ً وأصر ان حظ ابن زهير هو السبب ... أضيف الى اللجنة حكيم الكركيّة المحترم العين حماد المعايطة وابن احد اشهر قضاة الجنوب محمد ابن جدوع العودات وقد اشتهر جدوع مع جراد ابن غانم النعيمي على حل أغلب القضايا العشائرية المستعصية في الجنوب .

هذه اللجنة برئاسة ابن زهير لحل معضلة الجلوة في لواء الهاشمية الذي يضم قريتي غريسا التي أعيش فيها حاليا ً ... بدأت المصيبة بخلاف بين جيران وأنسباء أدى الى حادثتي قتل ... استعان محافظ الزرقاء بقانون منع الجرائم لاجلاء عائلات بأكملها من طلاب وموظفين و عسكر وتجار ... بعيدا ً عن منازلهم التي بنوها وسكنوها منذ انشاء بلدة الهاشميّة قبل خمسين عاما ً ونيّف ... اجراء المحافظ صحيح فنحن لا نأمن نزق شاب مفجوع بالغضب يصادف الاخر في الباص أو المتجر ويسحب سلاحه لأخذ ثأره .

نكرر ان الذين سنّوا عادة الجلوة طبقوها على مجتمع رعوي يرمي عمدان بيته ويرحل خلال ساعات ... وقد فرضوا له هدنة ثلاثة ايام سموها المهرّبات المقرّبات حتى يجمع حلاله وأقاربه ويرحل مستجيراً بقبيلة اخرى ... فرضوا أحكاما ً قاسية على ( مقطّع الموجه) الذي يعتدي على اللاجئ المحتمي بقبيلة بعيدة كما حدث للخالدي قبل قرن ونصف القرن حينما حاول الاعتداء على قريبه القاتل اللاجئ عند الدعجة في ماركا ... كانت العقوبة دفع كبش عن كل خطوة سارها من بلعما الى ماركا ... ثلاثين الف كبش فرضها قاضي البلقاء ابن قلاب ( من نفس عشيرة المتخاصمين بني حسن ) حتى يؤدب من تسوّل له نفسه كسر القوانين القبليّة التي تحقن الدماء ... الجلوة هي الميراث الوحيد من القوانين العشائرية غير المكتوبة التي أدارت حياة المجتمع العشائري الأردني في البوادي والأرياف وبعض المدن منذ زمن الدولة العثمانية ... حاولت الحكومة مع شيوخ القبائل تخفيفها بوثيقة وقعت عام 1987 تنص على جلوة أقارب القاتل حتى الجد الثاني بدلا ً من الجد الخامس ولكن بعض ذوي المغدورين في المملكة يصرّون على خمسة جدود بحيث يجري ترحيل أكثر من مئة انسان من منطقة الى أخرى سواء وقعت الحادثة في سما الروسان أو الموقر او كثربّا أو ايل وبسطه على بوابة البتراء الشرقيّة .

الذين ناقشوا المعضلة في وسائل الاعلام ومنهم اساتذة علم اجتماع وصحفيون حمّلوا المسؤولية للحكومة بسن تشريعات للحد من اضرارها ... لتطبيق تلك التشريعات لا بد من فتح مخفر في الحارة وارسال دركي مع كل رجل من اقارب الجاني في حركته اليوميّة ... الخ ... نعود الى المربّع الأول وهو تقدير الناس للناس بتدخل شيوخ ووجهاء القبائل؛ لإقناع أصحاب الدم بقليل من التسامح الذي لا يذهب بحقهم في القصاص وتذكيرهم بأن تيّار الحياة اليوميّة ربما يضعهم في يوم من الأيام مكان خصومهم ... وأذكّرهم أن تسامحهم الكريم سيصبح سابقة لجميع الناس يذكرونهم بها اجلالا ً واكبارا ً ... فأسلافهم سنوا من تلك السوابق والأعراف ما جعلهم فخرا ً للأبناء والأحفاد ....


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور