امتاز العرب على مر العصور وفي كثير من الحالات وحتى يومنا هذا بمواجهة النقد والهجاء سواء بالخطاب أم بالشعر أم بالفعل العنيف الذي يبدأ بالسوط والعصا وينتهي بالسجن أم الإعدام للناقد الذي لم يكن سلاحه الا الكلمة ... كما هو حال الكميت في مفاخرته بالمذهبة التي يقدم فيها العدنانية على القحطانية زمن الأمويين:
ألا حييت عنا يا مدينا وهل ناس تقوى مسلمينا
لنا قمر السماء وكل نجم تشير اليه أيدي المهتدينا
وجدت الله اذ سمى نزارا وأسـكنهم بمكة قاطنـينا
جعل لنا المكارم خالصات وللناس القفا ولنا الجبينا
استدعى خالد بن عبد الله القسري ثلاثين جارية وحفظّهن أشعار الكميت وأهداهن الى هشام بن عبد الملك يروين شعر الكميت في بلاطه .. أهدر دمه وضاقت به الأرض حتى استجار بقبر معاوية ابن هشام ولم يعف عنه الا بشق الأنفس ... ومثله دعبل ابن علي الخزاعي الذي هجا الخليفة المأمون
إني من القوم الذين سيوفهـم
قتلت أخــــاك وشرفتك بمقعدي
شادوا بذكرك بعد طول بقائهم
واستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقد اجبر على محو أشعاره عن الجدران بأظافر يديه حتى تلاشت مع اللحم وبانت عظام أصابعه بعدها ... ومع هذا لم يتوقف دعبل عن الهجاء حتى مماته ... ومثله في الثلاثينيات من القرن الماضي شاعر بني حسن عبود الدغيلي المقلّ بعدد أبيات قصيدته التي يتناقلها الناس بالرواية وتسري بينهم مثل النار في الهشيم بسبب معانيها اللاذعة ... ضاق الشيوخ ذرعا ً بانتقاد وهجاء الدغيلي .. افهموا قائد مخفر المدور ( وهو من مخلفات الحكومة العثمانية) ان اشعار الدغيلي تشبه اشواك الزعرور في احراش ام جوزة وان لسانه اطول من لسان الثور ( نبتة شائكة تظهر في الربيع) ... قام رئيس الجندرمة باستدعاء الدغيلي واوقفه ليلة في المخفر ..
وفي اليوم التالي جرى تكليفه بتنظيف اسطبل الخيل بيديه .. وفيما بعد استتابه الشاويش عن التعرض للشيوخ لانهم على رأي الشاعر ( الشيوخ والحكام زمل منيبه سيف على الجالين يقط العراقيب ) اعلن الدغيلي توبته وخرج يحمل ( زربوله ) حذاءه على طرف محجنه ففي ذلك الزمن كانوا يوفرون الحذاء للأراضي الوعرة والشائكة .. ولأن الطبع غلب التطبيع .. فقد توقف الدغيلي امام خفير البوابة المصنوعة من السناسل القديمة وقال ( ولد الدغيلي يقولي * فلان رايته زربولي ) ولأن الخفير ابن بلد ومعجب بالدغيلي فقد تركه يمضي الى حال سبيله مع زربوله.
فيما بعد توفى احد الصحافيين بمرض فقر الدم .. زملاؤه زاروا سياسيا عريقا وطلبوا تبرعا بعشرة دنانير لدفن زميلهم .. اخرج السياسي مئة دينار واشترط موت عشرة صحافيين ودفنهم على حسابه ... واضاف : كل صحافي يموت انا بدفنه على حسابي ... ترى ما هي الثروة التي يمكن أن يتبرع بها السياسيون لدفن اصحاب الاف المنابر على الشبكة العنكبوتية وصفحات الصحف والاعتصامات والمسيرات في ذلك الربيع الذي بدأ ولم ينته بعد ؟؟؟؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور