بعد نشر سلسلة مقالات في الدستور في ذكرى رحيل رجل الجندية المحترف حابس المجالي بعنوان الرجل والبندقية في الاسبوع قبل الاخير من شهر نيسان الماضي ... تلقيت عدة مكالمات هاتفية من كركيين مهتمين بإبداع حابس الشعبي ... الكثير منهم من خارج عشيرته ... قسوس ... طراونه ... اغوات ... دلالة على شيوع التراث الشعبي بين الناس بالرواية والحفظ كما هو حال هذا الأدب الشعبي في الوطن العربي قبل التدوين ... واذا أخذنا بعين الاعتبار رواية عجوز ايرلندي مقيم في ايرلندا لإحدى الأساطير اليونانية بنفس لغتها التي قيلت فيها دون أن يعرف معناها ... وهي حادثة أشغلت المهتمين بالتراث العالمي والأساطير ... أو درس قسيس قبطي في الصعيد المصري لسيرة مرقص الرسول باللغة القبطية التي حفظها القمص دون أن يعرف معنى أغلب مفرداتها ... أدركنا الخطأ والصواب في رواية الكركيين خاصة والأردنيين عامة لتراث حابس المجالي في الأدب الشعبي ... منها اصرار أحد الزملاء الذين سجلوا التراث الكركي مبكرا ً وأذاعوه في السبعينات من القرن الماضي بصوت السيدة ميسون الصنّاع التي شدت بالهجيني والرويد ولم تتجاوزه لتصبح مطربة مشهورة في أجناس أخرى من الغناء رغم شهرتها في أداء ذلك التراث ... أصر الزميل أن هجينية :

دني القلم وأبيض القرطاس. وبخاطري ناظم بيتين.

عاللي بهواها سلت الناس. سبع سنين تواليني

هي من نظم المرحوم صالح المجالي ... كما أن هناك اختلافا ً في كلمات هجينية حابس الذائعة الصيت في ضمير الأردنيين في الخمسينات من القرن الماضي :

العصر مع هبة الطارش. رن الجرس يطلب الشونه.

يا حابس قم كلم الهاتف. وأسرار بالقلب مكتومة.

وان خلاني ربي وانا حابس. لأعلّل الترف بقصوره

أصر أحدهم ( دون ذكر الأسماء لكثرتها ) على قصة لا تحتمل التصديق عن خطف بطلة الحادثة الى الكرك وتدخل ارفيفان لافشال المشروع ... وهي قصة تنتسب للخيال الشعبي الذي يضيف على الأحداث والأشعار ما يلهب خيال الراوي والمستمع ... قلت في سلسلة الرجل والبندقية كما نشرتها الدستور ان حابس المجالي عاش في مجتمع ثقافته بدويّة . فقد كان الشاعر الشراري أبو الكباير دائم التردد على شيوخ الكرك يمدحهم ويأخذ عطاياهم وهناك الكثير ممن يقرظون الشعر من قبيلة المجاليّة وقد اثرت هذه الثقافة بحابس الذي أبدع اشعارا قليلة نابعة من معاناته ومعاناة مجتمعه في تلك الفترة وفي الفترات اللاحقة من حياة الجنديّة التي خاضها ... وكثير من شيوخ وزعماء القبائل في بلاد الشام والجزيرة العربية أبدعوا اشعارا ً يتيمة لا تتجاوز قصيدة أو قصيدتين كما هو حال سعدون العواجي :

يا ونتي ونيتها تسع ونات مع تسع تسعين مع عشر الوفي

على سيفين بالملاقى مهمات سيفين أغلى ما غدا من سيوفي

ويتيمة عودة أبو تايه في مدح خصمه فايد ابن غيثه :

الهجن زرفل بهن فايد خلى طريقه جناديب

طيبه على طيبنا زايد من مضربه يشبع الذيب

ان عدم تدوين الابداع الشعبي في زمنه أدى الى التحريف بالكلمات والمعاني من خلال الرواية المستمرة بين الناس ... فأشعار نمر العدوان رويت في الكويت والعراق والعربية السعودية بمفردات مختلفة جدا ً عن أصلها حتى يكاد القارئ لمدوناتها ( فيما بعد ) يظن ان نمر العدوان قالها باللهجة النجدية وليست البلقاوية ... لا شك أن رواية الأردنيين لأشعار حابس المجالي خلال ستين عاما ً لا تخرج عن حال رواية عربان الديرة لأشعار راكان ابن حثلين الذي عاش في الاحساء والقطيف على الشاطئ الشرقي من الجزيرة العربية ووصلت اشعاره الى بدو بلاد الشام وفلاحينها في مضافاتهم ...


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور