في دورة تصنيع الألبان الأردنية باليد قديماً ... ينتج عن الخض بالسعن اياه ( استبدلوه بغسالة صغيرة ) اللبن المخيض وهو أصل الشنينة التي يصّنعونها حاليا ً في المصانع ويضيفون إليها النشا والمواد الحافظة ويجمّلون تقديمها في علب بلاستيك مزينة بالرسوم ... بعد استخراج الزبدة تقوم جداتنا بتصفية الشنينة في كيس قماش ( بفت او خام ابيض ) ... تحافظ على المصل المتقطر من الكيس وتقدمه وليمة للكلب الحارس الذي غالباً ما يدعو زملاءه المتخوّفين من كلاب المضارب للمشاركة في الولغ الرتيب الذي يطرب السامع والناظر ... ما يتبقى بعد التصفية هو لبن القطيع الجامد أو ما يسمى بالجبجب .
نبسّط الأمر لأبناء هذا الجيل ونذكر أنه شبيه باللبنة المصنّعة اياها ... كان الجبجب مع الخبز هو الوليمة العاجلة لأهل البيت يجملونه بالزيت أو السمنة البلديّة وبعضهن ترش عليه مسحوق اوراق الزعتر او النعناع لإغرائنا بتناوله ... نادرا ً ما كان الجبجب يقدم للضيف الاّ مصحوبا ً بالبيض المقلي أو ديك محمّر .... ما يتبقى من الجبجب ينشر على سطح بيت الشعر قطعا ً صغيرة تصبح فيما بعد لبن الجميد القاسم المشترك على المنسف ... اعتدت على شراء الجبجب من صديقي حمزة المشاقبة وأنا أتلذذ بأكله مع زيت غريسا مستذكرا ّ طفولتي على سفوحها . ومتجنبا ً بنفس الوقت الأطعمة المصنّعة التي نادرا ً ما يخبرونك أنها تحتوي على النشا والدسم وكل المكونات التي تهيّج مرض السكري والكوليسترول في جسمك ... ثم أن المشاقبة أصحاب كار في تصنيع الألبان فهم لا يزالون يربون الأغنام رغم ضيق مساحة المراعي التي أصبحت مزارع للزيتون ومنازل للأجيال التي لم يلحقها الدور في مشروع سكن كريم على أطراف المدن الكبرى ...
في العام الماضي كنت اشتري الكيلو غرام الواحد بدينارين ... هذا العام ويوم كتابة هذا المقال تقاضى مني حمزة ثلاثة دنانير وثمانين قرشا ً لنفس الكميّة ... أي أن الأسعار زادت عن الضِعف خلال عام واحد ولم يتحسّن دخل الطبقة المتوسطة والفقيرة خلال العام نفسه ليواكب الغلاء المفتعل الذي تفجّر في وجوه الناس حتى صار الخبز الحاف لسد الرمق ...
انا لا أبالغ فجاري أبو عوض يقدّم لأولاده الشاي مع الخبز إفطارا ً ... وحوسة البندورة غداء ... لم يحدثنا عن وجبة العشاء وهو يقلب يديه نحو السماء ويلعن سنسفيل هذا الزمن ... أقسم لي ذات يوم ونحن نخوض في حكاية غلاء السردين أنه ذات طفولة حرد وبرطم بوجه أمه وكاد يخلع واحدا ً من أوتاد البيت حينما قدمت له الجبجب مع الخبز فقط ... فيما بعد عرّج على القضايا الدوليّة ذات الاهتمام المشترك وسأل ... نصف سياراتنا من صنع الكوريين وأغلب قطع غيار أجهزتنا كوري ... القوم أغنياء ... اذًا فكيف يأكلون لحم الكلاب ... ؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور
login |