حينما تتمدد البيروقراطية في مفاصل تنفيذ القرار العاجل داخل الدوائر المختصة وتتحرك الأوراق من مكتب الى مكتب بسرعة السلحفاة ... يلجأ الملك إلى الجيش للتنفيذ ... فالقائد الأعلى نشأ شابا ً في الخنادق وتصبب عرقا ً في المناورات وتمارينها الصعبة وهو يعرف ماذا يعني الأمر العسكري وكيفية تنفيذه ... في المملكة الأولى قام الجيش وليس غيره بالاحصاء واعداد كشوفات الناخبين للمجلس التشريعي (البرلمان ) ... ومن الانصاف انه كان يخدم الجمهور أكثر من عشر وزارات مجتمعة ومتفرقة ... كان يصدر جوازات السفر ... ويقوم مقام دائرة الأحوال المدنية في الأرياف والبوادي النائية ... يسجّل المواليد والوفيات ... يوّثق حالات الزواج والطلاق ... يحدد منازل القبائل وحالة المراعي والمياه .... حتى انه يزوّد الاذاعة بنتائج هطول الأمطار فنعرف عدد المليمترات التي هطلت على الجفر وباير مثل عمان واربد ... وكان الجيش ذراع الدولة في مكافحة الجراد الذي يطير فوق البحر الأحمر قادما ً من افريقيا ليأكل أعشابنا وزروعنا ... واذا ما هطل الثلج بغزارة وحوصرت المضارب والقرى وتعطلت الطرق بين المدن فإن مدرعات الجيش و طائراته العمودية من اسرع وسائل الانقاذ والتموين ... وبنفس الوقت كان العسكر يحرسون 365 كيلو مترا ً من خط الهدنة مع اسرائيل .

لم يكتفِ الجيش بتعليم بعض أفراده . بل اقام مدارس في البوادي لا يتأثر طلابها برحيل ذويهم بحثا ً عن الماء والكلأ لإعاشة مواشيهم . كانت مدارس داخلية تقدم الطعام والمنامة للطلاب بالاضافة للتدريس حسب مناهج وزارة المعارف ولم تزل بعض هذه المدارس في رم والقويرة والازرق والزرقاء قائمة الى يومنا هذا ... وكان طاقم التدريس والخدمة عسكريا ً بالكامل وحتى لباس الطلاب كان عسكريا ً ... لا ننسى أن الجيش يعالج نصف سكان المملكة وأنه يدير أكبر صرح طبي يواكب اخر اكتشافات العصر في المختبرات العالمية .

الان وعسكرنا يشاركون الأمم المتحدة بقوات حفظ السلام في أغلب أرجاء المعمورة نجد أن الجيش بمبادرة قائده الأعلى قد أقام صناعة عسكرية متطورة تبيع انتاجها لجيوش خارج حدود الوطن من مدرعات أعيد تصفيحها وتعديلها ومدافع وبنادق وتجهيزات تلقم بالحاسوب ... وأصبح لدينا خبراء أردنيون لا يعرفون مكان المتفجرات في السيارات العابرة فقط . بل يعرفون مكان هذه المتفجرات حتى لو أزيلت من مكانها قبل ساعات من التفتيش ... وإلا ّ كيف حمينا الحدود مع جيران التهبت النيران على ترابهم واختلط الحابل بالنابل ؟

بمناسبة اعلان مدينة الزرقاء عاصمة للثقافة الأردنية عام 2010 اصدر الزميل محمد المشايخ مجلدا ً من 554 صفحة بعنوان انطولوجيا الزرقاء الابداعية ترجم فيه ل 350 مبدعا من الزرقاء . النسبة العظمى منهم أبناء العسكر الذين عمروا مدينة الزرقاء ابتداء ً من المبدع الراحل بدر عبد الحق وانتهاء ً بطويل العمر الشاعر والاعلامي أمجد ناصر المقيم في لندن ... جردة الحساب هذه مهداة الى أرواح شهداء الجيش العربي الأردني أكرم الله مثواهم وتقبّلهم مع الصديّقين والأبرار ... انتهى


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور