لم تزل الفكرة الأساسية لمسرحية موت بائع متجول للأمريكي ارثر ميلر تتكرر على ارض الواقع في أكثر من مكان في العالم ... ليس حلم الثروة وحده الذي يراود ويلي لومان . بل الاستقرار العائلي في بلد الفرص المتعددة ... ولكن الثروة لم تتحقق لا هي ولا استقرار العائلة مما دفع لومان للانتحار .

في موقع معمودية المسيح ( المغطس ) على ضفة نهر الأردن الشرقية ... لم يفكر بالانتحار ولكنه انتحر بطريقة أخرى ... سقط احد العمال الوافدين من فوق المبنى على الأرض ليتلقاه سيخ حديد يدخل فخذه ويصل الى معدته ( الدستور 27 حزيران 2012 ) ... زملاؤه أخرجوا السيخ من بطنه ونقلوه الى مستشفى الشونة الجنوبية ... الوافد البائس كان يخشى التحقيق الأمني لأنه مخالف لقانون العمل وشروط الاقامة ... ستكون هناك غرامات وترحيل الى بلده الذي خرج منه يحلم بتحويل مائتي دولار كل شهر الى عائلته ... أخبر الطبيب أنه سقط على سلك رفيع جدا ً في منطقة اسفل البطن ... اقتصر العلاج على تعقيم الجرح واعطاء المصاب مضادات حيوية غادر بعدها المستشفى ليعاني ليلة من نزيف في المعدة والأمعاء حتى تسمم الجسم بكامله ومات العامل الوافد .

لو ... ويمكن ترديد كلمة لو اكثر من مرة ... لو شك الطبيب وطلب صورة شعاعية لاختلف الأمر ... سيتغيّر العلاج مع جراحة للمعدة والأمعاء ... ولكن هذا سيقود الى تحقيقات الشرطة والمدعي العام وهذا ما لا يريده ذلك المسكين ... فقد جاء للعمل مقابل حفنة نقود يسّد بها رمق الجياع في بلده ... بغض النظر عن مسؤولية الطبيب المعالج والكادر الطبي في تقليب ذلك البائس على اجهزة الفحص والتصوير الشعاعي لتغيّر النتيجة مجرى حياة ذلك المسكين الذي مات بعد خروجه من المستشفى ... فإن عبقرية الروائيين وكتّاب المسرح تعجز عن صياغة نص درامي مماثل لحالة ذلك البائس .. يتحول الى تراجيديا توجع قلوب المشاهدين والقرّاء ... وبالرغم من ان الدراما محاكاة للواقع ... فأن خبر الدستور الذي صاغه الزميل جميل السعايدة يكاد يكون نصا ً تراجيديا لا ينقصه إلا تسمية الشخوص واضافة شخصية امرأة مع أطفالها كانت قد هاتفت زوجها في الصباح الباكر تطمئنه على الأولاد . وربما سألته متى سيحول ورقة المائة دولار لتأخذها من البنك القريب ... لعلها والدته التي ترغب بسماع صوته بين يوم واخر ... ولعله ... ولعلها ... حدث كل هذا قبل أن تزل قدمه ويسقط على سيخ الحديد .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور