وضعت يدي على قلبي وأنا أتابع الأخبار عمّا حدث في جامعة مؤته في الفترة الاخيرة ... حينما قرأت أن موظفي المكتبة وبعض الأساتذة الغيورين شكلّوا درعا ً بشرية أمام مكتبة جامعة مؤته لمنع وصول المشاغبين اليها تمهيدا ً لإحراقها قفز الى ذهني فيلم 89 فهرنهايت المأخوذ عن رواية الأمريكي برادبوري بحيث ينعكس دور رجل الإطفاء ويصبح واجبه حرق أوراق الكتب بدلاً من اطفاء الحرائق ... وحتى الان وأنا أدرس حالات مماثلة في احتجاجات العالم ومظاهراته لم أجد حدثا ً مماثلا ً كادت أن تكون ضحيته مكتبة ... سواء كانت مكتبة مدرسة ابتدائية أو مكتبة جامعة مثل مؤته ...كان أكبر حريق للكتب في التاريخ قد حدث في مكتبة الأسكندرية عام 48 قبل الميلاد ... ثم إن لي وديعة في تلك المكتبة يزيد عمرها عن خمسة وعشرين عاماً ... ففي الثمانينات من القرن الماضي وفي دائرة الثقافة والفنون التي تتبع وزارة الثقافة . ساهمت بإكمال جهود الأستاذ الدكتور هاني العمد وزملاء اخرين في جمع التراث الشعبي الأردني من أفواه المعمرين والرواة الذين كانوا شباباً في الأربعينات والخمسينات من القرن الزاهي إياه ... كانت الحصيلة 1300 ساعة تسجيل لرواية أحداث تاريخية عصفت بالمنطقة ابتداء ً من احتلال الانجليز للسلط عام 1918 وخروجهم منها بمقاومة العثمانيين ثم احتلالهم لها مرة أخرى ... ومن أندر تلك التسجيلات رواية عن حالة الأسرى من مدينة السلط في معسكرات السويس وعودتهم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ... هذا بالاضافة للأغاني الشعبية بألحانها كذلك الأمثال الشعبية التي سجلت دون تدخل رقيب ... جرى حفظ هذه الأشرطة في خزائن عادية داخل غرف مفتوحة غير معدّة للحفاظ على شريط التسجيل لفترة طويلة كما هو حال مكتبات مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الصوتية والموسيقية ... بدأنا نخشى عليها من التلف وقد نفقد بتلفها ثروة لا تقدّر بثمن حيث انتقل أغلب الرواة الى رحمة الله ولا احد يسّد مكانهم ... حاولنا جاهدين أنشاء مخزن مكيف لهذه الثروة فضاعت أصواتنا صدى في أروقة البيروقراطية بوزراة الثقافة ... أخبرني الأستاذ الدكتور رسلان بني ياسين أنه يسجل مثل هذه المادة ويخزنها في غرفة مجهزّة للحفظ بمكتبة جامعة اليرموك ... وأن هناك غرفة مماثلة في جامعة مؤته ... كانت تلك الأشرطة عزيزة على نفسي وقد سجلت الكثير منها في الأزرق ودير الكهف والأغوار الشمالية والجنوبية ... ولكن الحفاظ عليها من التلف اقل وسيلة لرد الجميل لأولئك الرواة الذين توفوا بعد زمن قصير من تسجيلهم لتلك الأحداث ... استطعت أخذ موافقة وزير الثقافة لأهداء تلك الأشرطة كوديعة وطن في مكتبة جامعة اليرموك ومكتبة جامعة مؤته ... بعد مغادرتي لوزارة الثقافة بزمن طويل وجدت أحد أساتذة الموسيقى يجري بحثاً غن الأغنية الشعبية الأردنية وموسيقاها معتمداً على تلك الأشرطة التي حافظت عليها جامعة الجنوب وجامعة الشمال من التلف لتبقى إرثا ً للأجيال التي تسترجع تاريخ وطنها من خلال قراءة التراث الشعبي المروي والمدوّن بدلاً من محاولة اعدامه بالحرق وقد جال في خاطري ذلك الفنان المصري الذي جلس عام 1971 يبكي بحرقة ما دمره الحريق في دار الأوبرا المصرية التي بنيت عام 1869 وأثرت الحياة الفنية في مصر والوطن العربي بمئات العروض المسرحية خلال مائة وعامين من عمرها ... أبناء جامعة مؤته الذين حموا مكتبتها ضد الغوغاء بصدورهم يستحقون منا أكثر من شكر وتقدير .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور