استوحى الكاتب الأمريكي من أصل أرمني وليم سارويان عنوان وموضوع مسرحيته ( النداء ) من أمسية باريسية كان يسير خلالها مع أحد اصدقائه وقد خلت الشوارع من المارة والسيارات ... ففي الستينيات كانت المدن الكبرى تنام مبكرا ً عن سهرها الان الذي يمتد الى طلوع الشمس ... في الشارع سمع وليم سارويان صوتا ً ينادي ... هيه ... يا ... لم يشاهد الرجل الذي نادى بصوته الضعيف في شارع كبير وسط مدينة كبيرة ... ويصر سارويان أنه اجتاز مع رفيقه شارعين اخرين والنداء يتبعه أشبه بالصدى ... هيه ... يا ... واستغرب أن احدا ً من المارة أوالجيران لم يجيبوا على استغاثة الصوت الذي كرر نداءه أكثر من ساعة ...

حينما عاد سارويان الى غرفته بالفندق كان الصوت لم يزل يتردد في سمعه حتى بعد أن أغلق باب الغرفة والنافذة ليتأكد أن الصوت الشبح لم يلحق به ... ولكنه في ذلك المساء سكن عقله وألهمه كتابة الخطوط العريضة لفكرة مسرحية النداء التي صاغها فيما بعد من فصل واحد أجمع النقّاد على أنها تشبه قصة قصيرة من قصص سارويان التي ينقل فيها قارئه من السطح الى القاع ليتأمل غير المرئي في الحياة ويفاضل بين الحقيقة والزيف في النفس البشرية ...

في هذا الزمن العربي حيث يخرج النداء على شكل حشرجة لكتلة من الدماء تجمعت في حنجرة رجل او امرأة أو طفل يطلب النجدة لعلاج جروحه الموزعة على كامل جسمه ... حيث لم يفرق الرصاص والقنابل الصغيرة والكبيرة بين الجدار والجسد ... في هذا الزمن يمتد النداء الذي سمعه وليم سارويان ذات ليلة باريسية ... يمتد من حنجرة طفل يبحث عن صدر امه القتيلة ليشرب حليبها اليومي في وقته المعتاد حيث يلقم ثديها وهي تتحرك بنشاط في المطبخ ... تهدهده بأغنية ترددت في عقل المرأة العربية مئات السنين ... وعلقت في عقل الطفل ولم تنتزع من ذاكرته حتى عاد الى أرذل العمر ...

يؤلمنا ويحزننا هذا النداء اليومي الذي يستغيث فيه الناس بحثا ً عن ملجأ آمن يقيهم شرور يومهم من النار والبارود ... نضع أيدينا على قلوبنا ونحن ندعو وننادي ... الله لا يسمح ولا يقدّر ... وفي البال مجاعات غزت العالم بسبب الحروب الداخلية والقحط والجفاف والهجرة بالتطهير العرقي ... وفي المقابل تعشي عيوننا تلك الأضواء الملونة التي تنسكب على جسد امرأة أمسكت بزجاجة عطر قبل أن تجلس الى مائدة اعتاد الفقراء على تعداد أنواع واصناف الطعام المكوّم فوقها كلما شاهدوا الاعلان عنها على ثلاث أو اربع محطات فضائية في الليلة الواحدة ... ورجال ونساء بملابس انيقة يتناولونه كفواصل بين مئات الجمل في مواضيع يطرحونها للنقاش ... غالبا ً ما تبدأ بالسياسة وتنتهي بالمال ... ترى هل يحركنا ذلك النداء الذي شارك وليم سارويان غرفة نومه والمخدة التي أراح رأسه فوقها ؟؟؟ ... هل سيحتل عقولنا ليلة كاملة بعد اطفاء التلفزيون واقفال الجريدة ؟؟؟


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور