من يتابع الأعلام الرسمي السوري في هذه الأيام يغفر لبثينة شعبان كل أقوالها في بداية الثورة السوريّة عندما استهانت بدولة الأمن والمخابرات التي تفتش الطيور المهاجرة في رحلتها بين الصقيع البارد في روسيا والرمال الدافئة في افريقيا . ونسيت ما وصفتهم بثينه بالمسلحين الذين يجتازون الحدود الى داخل سوريا لترويع المدنيين وقتل العسكر ... يتحدث الاعلام السوري البائس عن انتصار الجيش العربي السوري الباسل على الارهابيين ويعدد أماكن هذا الانتصار في معارك تشمل أغلب المدن والأرياف السورية من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب ... وحدها جبهة جولان هادئة ... لا تظاهرات ولا مسلحين ولا معارك ولا يحزنون .
حينما حذّر عشرات السياسيين والمراقبين ( في البدايات) وأولهم جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين من حرب أهليّة في سوريا . لم يدر بخلدهم أن الاعلام الرسمي السوري سيساعد على رسم صورة تلك الحرب بمراسليه الذين يرتدون السترات الواقية من الرصاص مع الخوذ التي ظهرت في حروب الخليج وأفغانستان والصرب والصومال وليبيا ... يكملون رسم صورة الدمار لوطنهم ويكحّلون عيون مشاهديهم بمئات الصور للقتلى والجرحى على الساحة السورية قاطبة ... نضع جانبا ً أحاديث منظّري حزب البعث وأدعياء القوميّة والصمود والتصدي مع مذيعات ومذيعين يلقنونهم الحديث عبر الأسئلة ... ونتوقف أمام وصف التلفزيون السوري لبطولات جيش يقتل كافة الفئات والأطياف . مسيحي . مسلم . سني . علوي . درزي . اسماعيلي . الخ ... وهذه نفس عناصر مكونات الجيش السوري البطل الذي مرّغ شرفه في الأوحال وهو يقتل أبناء جلدته ... اذا كانت عناصره من الضباط والجنود تتابع بطولاته على شاشة التلفزيون السوري وتعتبر قتل ابناء الشعب أمجادا ً تستحق التقدير . فإن الأمر يحتاج الى دراسات مستفيضة عن حال الجيوش في الوطن العربي والعالم ... فتلك ظاهرة غريبة امتازت بها سوريا ونظامها من بين أغلب الدول المتحضّرة وشبه المتحضّرة ... هناك اتفاق ضمني بين قيادة الجيش وأنظمة الحكم في أغلب أصقاع المعمورة بعدم زجّ القوات المسلحة في مواجهة مع المدنيين سواء بمظاهرات الاحتجاج أو العصيان المدني . فصورة الجيش مقدسة في أذهان الناس . فهو حامي حدود الوطن وضامن وحدته واستقلاله ... ولهذا عمدت أغلب الدول الى انشاء وحدات شرطة خاصة لمكافحة الشغب ومواجهة المظاهرات العنيفة . حتى يبقى الجيش بعيدا ً بصورته الناصعة في أعين الجماهير .
ففي عام 1968 واجه الجنرال شارك ديغول مظاهرات واحتجاجات عمّت كل أنحاء فرنسا ... ذهب الى ألمانيا لمقابلة قائد الجيش الفرنسي الجنرال ماسو لإشراك الجيش في مواجهة الشارع وتهدئته ولكن ماسو رفض لنفس السبب الذي ذكرناه . فما كان من ديغول الاّ العودة الى باريس وتقديم استقالته الى شعبه الذي رفض رئاسته ... عربيّا ً وبعد حرب رمضان عام 1973 اشترط الفريق عبد الغني الجمسي على السادات عدم استخدام الجيش بأية مواجهة مع المدنيين ... ولكن السادات لحس وعده في مظاهرات الغلاء التي فرضها البنك الدولي عام 1977 ... ما يحدث في سوريا وصمة عار على جيش عربي بدأ تكوينه بقتال الفرنسيين في معركة ميسلون ... وانتهى بقتل مواطنيه .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور