قال مدرّس الصحافة والأعلام لتلاميذه ... الخبر عن اصابة رجل بجروح في ساقه اليمنى بسبب عضة كلب شارد . هو خبر تافه حتى لو كان الكلب مسعورا . ومن السخافة تسويقه على القراء والمشاهدين حتى لو كان حجم الاعلان أقل من المعدل بكثير ... ولكن اذا عكسنا الواقعة في الخبر وكتبنا أن الرجل هو الذي عض الكلب ... فإن الخبر يستحق النشر والإذاعة في الصدارة .
يستطيع المحرر توظيف بلاغته لوصف هجوم الرجل على الكلب المسكين .. تخيلوا معي أنه مربوط بسلسلة حديدية وفمه مكمم حتى لا يعض الاخرين ويحمّل صاحبه أو صاحبته مسؤولية الإيذاء والغرامة ... ثم ينطلق رجل من الرصيف ويعضّه حتى يصل عواؤه الى نهاية الشارع حيث يقبع مخفر الشرطة ... تستطيعون نفخ المادة بوصف نقل الكلب الى البيطري ومطاردة الرجل والقبض عليه وفي اليوم التالي تتابعون القصة في دائرة الشرطة والمدعي العام والمحكمة ... لا تنسوا مقابلة طبيب نفسي لسؤاله عن الأسباب الموجبة لاستعمال الرجل أسنانه في عض الكلب ... تحدثوا الى صاحبة الكلب وانقلوا مدى حزنها على رفيق دربها كل عصر يوم بعد الغداء انتهينا من قصة الرجل والكلب واستدرنا الى حكاية عاطل عن العمل امتهن النشاط السياسي وأغرى عدة اعلاميين بواقعة صدام مع الشرطة والدرك ولافتات خرجت من طابعة الكمبيوتر بثلاثة ألوان ... لم يدرك الاعلاميون حتى الآن أن هذه الأخبار أصبحت سخيفة ومملّة لكثر تكرارها على نمط متشابه ... حرق اطارات ... اقفال شارع ... قطع طريق تستخدمه مئات السيارات يومياً ... تنوّعت الأسباب من مطالبة بإصلاح طريق أو ضخ مياه الى ترديد الشعار الدائم الاصلاح ومحاربة الفساد والمحسوبية ... بنفس الوقت هناك ستة ملايين أردني يصحون مبكراً للعمل ... البعض منهم يزاحم نصف مليون عامل وافد غير شرعي على جبلة باطون أو حفر اساس منزل .
أنا شخصيا ً لعبت مع أحد المواقع الألكترونية لعبة عض الرجل للكلب ... كنت مارا ً بشارع عبد الله في الزرقاء ابحث عن علبة براغي رخيصة لإصلاح خم الدجاج في حوش منزلي ... انتبهت لأصوات غاضبة ... كان خلاف بين تاجرين على استعمال الرصيف المخصص للمشاة مكاناً لعرض بضاعة المتجر ... اجتمع على الشجار ما يعادل حمولة بكب من الرجال ... التقطت بعض الصور بهاتفي الجوّال وركزت على وجه غاضب يدفع بإصبعين بإتجاه الخصم وعلى الشفاه مشروع شتيمة ... حينما نقلت الصور الى الكمبيوتر ظهر في احداها طرف لافتة لأحد المقبلين على خوض الانتخابات النيابية القادمة وتحوي شعارا ً برّاقا ً ظهر منه اخر كلمتين ... صغت خبراً عن اعتصام للتجار في الزرقاء ... وحتى يعض الرجل الكلب فقد ذكرت أن عددا ً من النشطاء والسياسيين والنواب المحتملين قد شاركوا في الاحتجاج وأن الهتافات تجاوزت السقف بدلالة طعجة شفتي صاحب محل مواد البناء بمشروع الشتيمة ... خشيت من ارساله الى احدى الصحف الالكترونية المحترمة لأنها تدقق كثيرا ً ... استغليت نافذة ارسل خبرا ً في احدى المواقع الذي يتصيد الأخبار والشائعات ... نسخ ولصق ثم ارسال ... صدقوا أن الموقع الألكتروني نشر الخبر مع الصور ولم يجتهد المحرر بالأخطاء الطباعيّة والأملائية التي تعمّدت صياغة الخبر بها .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور