تعرفت إلى الدكتور عبدالله النسور عام 1981 حينما كان مديرا عاما لضريبة الدخل، انتجت مسلسل “قرية بلا سقوف” لصالح التلفزيون الأردني الذي احالني إلى ضريبة الدخل للمحاسبة، وهي أول مرة أدخل فيها “ضريبة الدخل” ويفتح لي ملف لم يغلق حتى الان، أحالني الدكتور النسور الى موظفة تخيّلت أنها قادرة على استخلاص آخر قطرة من نصف ليمونة تعصرها، داومت السيدة في التلفزيون ثلاثة أيام وهي تفتش السجلات وتسأل الموظفين وتجمع وتطرح أرقاما حتى أفرجت عن اخر شيك محجوز لي في ضريبة الدخل، خلال نقاشي معها وأنا أقدم الوثائق اخبرتني أن هذه أوامر المدير، فيما بعد وهو في طريقه الى العمرة أبرق لي معزيا بوفاة والدي، حينما نجح بأول انتخابات برلمانية شددت الرحال من غريسا الى السلط لتهنئته؛ فالرجل فصل بين واجب الوظيفة في الضريبة وبين صداقته للآخرين، تواصلت لقاءات عارضة بيني وبينه لم تتعد المجاملات ولم تتح لي فرصة السلام عليه حينما جاء الى خيمة اعتصام الفنانين مؤيدا مطالبهم.

كنت أتابع نقاش ومعارضة خرّيج السوربون في البرلمان بما يوحي اليَّ أنه صوت وحيد في البرية، واعتقدت انه أخذ استراحة المحارب في البرلمان بعد عراك في 12 جامعة ومؤسسة وصحيفة بعد أن عمل استاذا وموجها في وزارة التربية وحمل من الحقائب الوزارية ما يثقل كاهل أي رجل شريف في هذا البلد بالاضافة لأوسمة الدرجة الأولى ووسام جوقة الشرف الفرنسي، ولكن مثله من الرجال يُذخرون للأيام الصعبة التي يمر بها الوطن.

ستشرف حكومة الدكتور عبدالله النسور على الانتخابات البرلمانية القادمة، وهي أكثر انتخابات اعتورها الجدل في الشارع وفي الصالونات السياسية. وسيواجه ملف انتخاب البلديات التي فرط بعضها وأعيد تجميعه لينتج غيبة لرؤساء وأعضاء المجالس البلدية المنتخبين حوالي ثمانية أشهر تحت رحمة المجالس المعينة من قبل الحكومة.

وبنفس الوقت، سيواجه الدكتور عبدالله النسور ملفا اقتصاديا صعبا تركته له اربع حكومات سابقة لم تتح لها فرصة التخطيط والتنفيذ للعلاج (اذا كانت خططت وستنفذ) في زمن الربيع العربي والنار المشتعلة على حدود الأردن الشمالية وقد فرَّخت رابع هجرة ولجوء الى المملكة منذ حرب عام 1948 وحتى الان، الرجل صاحب خبرة طويلة وإلمام في مختلف مناحي العمل العام والقضايا الوطنية (كما يصفه كتاب التكليف السامي وكما نعرفه).

نحن نعرف أن هذه الحكومة ستعمّر الى ما بعد الانتخابات النيابية فقط، وستنوء بحمل ملف الفقراء في الدرجة الأولى والشتاء على الأبواب وفاتورة النفط لم تتغير في استنزاف الموازنة، صحيح أننا خسرنا صوتا يعارض بمسؤولية ابن الوطن في البرلمان. ولكنا كسبنا رجل خبرة في هموم الوطن يجب أن نقف وراءه لاجتياز المحنة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور