حينما وصل الرحالة السويسري الى البتراء عام 1812 واندهش لعظمة الاثار وحاول جاهدا ً رسم بعضها . مخفيا ً عن مرافقيه من أهالي وادي موسى والبدول بعض رسوماته . في ذلك الزمن كانت البتراء مجهولة للأوروبيين ولهذا صفقّت له صحافتهم كمكتشف للمدينة الوردية كما هو حال علماء الاثار الذين اكتشفوا الكثير من قبور الفراعنة المصريين ... في العالم العربي لم تكن البتراء مجهولة وإن كان موقعها بعيدا ً عن طرق السابلة والمسافرين ... ولم تكن هي الأثر النبطي الوحيد في المنطقة ... فعلى طريق الحج الشامي تقع مدينة الحجر التي نحتها الأنباط على شاكلة البتراء في زمن الملك الحارث الرابع الذي كانت فترة حكمه من ازهى أيام الأنباط الحربية والتجارية والفنية ... ففي عهده بدأت دعوة السيد المسيح عليه السلام ثم صلبه وتفرق رسله مبشرين بدعوته في بلاد الشام وافريقيا ... وفي عهده أيضا َ قام انتيباس هيرودس بقتل الراباي يوحنا المعمدان في قلعة مكاور غربي مادبا ... والسبب هو زواج هيرودس من أرملة أخيه هيروديا واعتراض يوحنا على هذا الزواج الذي سبقه هروب زوجة هيرودس العربية النبطية جميلت ابنة الحارث الرابع الذي لم يتح الفرصة لهيرودس حتى يتمتع بزواجه . فقد اجلاه بالحرب حتى نهر اليرموك ... لا حاجة لتكرار رقصة سالومي ابنة هيروديا امام هيرودس المخمور وأمره بقتل الراباي ... حينما شعر الحارث الرابع بأطماع روما وهو يعرف قوتها انشأ مدينة الحجر لتكون ظهيرا ً لجيشه وهو يعرف خوف الرومان من الصحراء ... امتد عمران الأنباط من البتراء الى تدمر مرورا ً بدمشق ونجد آثارهم لدينا في خربة خو وغريسا وبلعما وارحاب وأم الجمال ودير الكهف والقنية وجرش ومادبا والكرك ... أقاموا مدنا ً لاستراحة القوافل وحفروا آبارا ً لحصاد الماء لم تزل باقية حتى الان مع تقنية حصادهم للماء في البتراء وقصر الطلاح والحجر ( مدائن صالح ) وعبده وغزه حيث يغور الماء في الرمال فور سقوطه ... بعد زوال الحكم العثماني وتأسيس الامارة قامت قبيلة البدول القاطنة داخل البتراء بتأسيس أول وكالة سياحية لنقل السواح الأوروبيين من القدس وبيت لحم والقاهرة والعقبة على الجمال ... نسميها وكالة سياحية لأن البدول يتكفلون بالنقل والإيواء والطعام وإعادة السائح الى المكان الذي نقلوه منه ... وحتى السبعينات من القرن الماضي لم تسجل حادثة أمنية واحدة للسواح في البتراء . فالبدول كانوا حريصين على زوار مدينتهم حتى أنهم يحصون الزائرين الداخلين الى المدينة ويتأكدون من خروجهم ... واذا تأخر أحدهم تبدأ عملية البحث عنه بقصّ الأثر ودلالة الرعاة المنتشرين في جبالها ... الذين زاروا البتراء في منتصف القرن الماضي يدهشون عندما يشاهدونها حاليا ً ... كانت الصخور والآثار وردية اللون بكل معنى الكلمة ... أما الان فقد شعرت وأنا أعبر الطريق من الخزنة الى الدير أنني أسير في أحد شوارع المدن التي تأثرت عماراتها بعوادم السيارات واهترأت عتباتها بفعل أقدام الغادين والرائحين ... ليس غريبا ً أن ينذر مركز التراث العالمي بوضع مدينة البتراء على لائحة المواقع المهددة بالخطر ويدعو لتبني وتنفيذ استراتيجيات متصلة لحماية البتراء والتخطيط لإدارتها ... ليست العوامل الطبيعية هي المسؤولة عن الألوان الباهتة للمدينة الوردية وعن تلاشي معالم بعض المواقع ... فعمر المدينة يزيد على الفين وخمسمئة عام .. ولم تزل جبال رم واثار مدينة الحجر زاهية بألوانها واضحة المعالم . كأن نحّاتي الملك الحارث الرابع قد فرغوا من عملهم فيها للتو .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور