من أبلغ الأمثال التي ضربها البدو في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية داخل مجتمعهم . بدت قصيدة ساجر الرفدي عنوانا ً للتحالف في زمن انعدم فيه الأمن والاستقرار وتباهي الرجال بقتل الرجال . وتفاخر القبائل بتهجير القبائل عن المراعي الخصبة ومصادر الماء الى أرض مقفرة يعيش فيها الناس على فتات الهبات والعطايا من القبائل الأخرى ... هل بالغنا بتشبيه الحاضر بالماضي ؟ ... دعونا نقرأ لساجر الرفدي قبل أن نستعرض زمنه الجميل قياسا ً بزمننا هذا ... كان ساجر على علاقة قربى و تحالف قبلي مع ابن هذال شيخ العمارات ... شعر أن شيخه لا يطمئن له ويتجه الى الصدام معه لصالح قبائل أخرى ارهقها ساجر بغزواته ومناعة قومه ضد غزواتهم ...هذا الانقلاب دفع ساجر ان يرسل مشروع مذكرة احتجاج دبلوماسية على شكل قصيدة ارسلها الى ابن هذال يقول :
يا شيخ ما حنا ذولا وذولاك
حنا معادينا على كل ديــــره
صابورنا ياطا على حوض الادراك
وخيل مكامين وخيلٍ مغيـــــره
كانك تبي عمى عينك بيمنـاك
اضرب عليها يا قليل البصيـره
الصراع القبلي لم يتغير في الوطن العربي منذ يوم بعاث وداحس والغبراء وناقة البسوس حتى الان ... في زمن ساجر الرفدي الجميل كانت قصائد الشعراء وألسنة الشيوخ في خطابهم تعّف عن الشتيمة حتى أن حمود الناصر البدر يخاطب خصمه في الحرب بقوله :
ملفاك زي زاهي واعتبارا
كار لأخو نوره وحنا لنا كار
ريف الضيوف ودار ستر العذارى
عبد العزيز الشمري سر وجهار
كان أكبر عار يلحق بالفارس البدوي تتناقله الألسنة قبل زمن التلفزيون والانترنت . هو أن يمثل بجثة خصمه بعد قتله ( كأن يخرج قلبه ويأكله مثلا ً ) ... أو يعتدي على امرأة منكوبة بهزيمة قبيلتها ... كانوا يديرون حروبهم بعيدا ً عن مضارب القبائل حماية للنساء والأطفال ... يحتقرون من يعرض ابنته او اخته للزواج طلبا ً للثروة ... اذا أعجب فارس بفتاة من المهزومين يخطبها من ولي أمرها المنكوب وتتحول العداوة الى مصاهرة ثم صداقة ... كانوا يتقاتلون بفرسان واسلحة مثل جيوش الحكومات الحالية ولكنهم لم يعرفوا سجونا يضعون اسراهم فيها قيد التعذيب ... أسيرهم ضيف في بيوتهم ... له القهوة والطعام والفراش حتى يبادلونه بأسير اخر ... تغير السلاح في أيدي المقاتلين وتغيرت وسائل النقل وساحات المعارك وأهداف القتال ... ولكن الأسوأ في هذا التغيير هو أخلاق المقاتلين الذين لا يهمهم شتائم الاستنكار لأفعالهم المصوّرة على الانترنت والتلفزيون ... ضعفت بصيرتهم حتى أنهم لا يشعرون انهم يضربون على عيونهم .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور