لم اعد اذكر اسم ذلك الطالب الذي كتب وأنتج فيلم الزيارة قبل ربع قرن ... الطالب في الثانية والعشرين من العمر ولا علاقة للفيلم بمسرحية زيارة السيدة العجوز لفريدريش دورنمات ... الفيلم مدته سبع دقائق مع اشارة البداية والنهاية وهو مشروع التخرج في كلية الفنون الجميلة لذلك الطالب المبدع ... تدور أحداث الفيلم في قرية نائية وفقيرة . في المساء كان هناك اجتماع عاصف في بيت المختار لترتيب استقبال المحافظ الذي توهم سكان القرية أنه جاء لتفقد احوالهم وحل مشاكلهم ... أنصار المختار اقترحوا كتابة خطبة يلقيها رئيس القرية امام المحافظ تتضمن مطالب القرية ... تعبيد الطريق الترابية ... بناء مدرسة بدل الخيمة التي يدرس فيها الطلاب ... مكتب بريد للاتصال بالعالم الخارجي ... تكثيف زيارة الطبيب الى ثلاث مرات في الاسبوع بدلا ً من مرة واحدة ... اشتد الخلاف بحجة أن الكثير من سكان القرية لهم مطالب شخصية من المحافظ .

كادت شدة النقاش تؤدي الى مشاجرة جرى احتواؤها باقتراح المختار أن يلقي كلمة ترحيب قصيرة ويترك للبقية عرض مشاكلهم على الزائر مباشرة ... سهر الاستاذ معلم المدرسة طويلا ً وهو يكتب عرائض واستدعاءات القرويين بما في ذلك طلب لأم عطية لتشغيل أحد اولادها واعفاء الاخر من غرامة قديمة ... في الصباح لبس القرويون ما نشروه في الليل على الحبل وتباعدوا في الوقوف بسبب حزازات قديمة وكل منهم يحمل ورقة بمطالبه ... وقف المختار والهيئة الاختيارية في مقدمة المستقبلين على طرف القرية ليكون أول المستقبلين للمحافظ ولم ينسَ ارسال الحارس الى تلة قريبة يرقب منها الموكب الحكومي ليبلغهم باقترابه ... تنقلت الكاميرا بين وجوه كثيرة تأمل بحل مشاكلها وتزاحم اثنان على الوقوف في ظل شجرة كينا طويلة وكل منهما يريد المكان الأفضل لرؤية المحافظ ... صرخ الحارس من بعيد وأشار بيده أن الغبار قادم من بعيد تتقدمه السيارة ... في قطعات سريعة يخطو القرويين الى طرف الطريق مادين أيديهم بأوراق الاستدعاءات .

مشهد واحد للمحافظ يسأل أحد الموظفين اذا كانت هذه نهاية الرحلة فيخبره الموظف ان الرحلة لم تنته بعد ... مرت السيارات مسرعة في الطريق الترابي والقرويون يلوحون بأيديهم وأوراقهم وكلما ظهرت ورقة بيد تنزعها الريح مع الغبار ... انشغل المختار بمسح وجهه ونفض ثيابه وهو يتابع ابتعاد السيارات بخيبة .

يقفل الطالب المبدع فيلمه على السماء حيث تطايرت الأوراق مع الغبار ثم يقطع على أحد الفلاحين الخائبين يحدث منافسه تحت شجرة الكينا ويقول: راح علينا يوم شغل ... اختفى اسم ذلك المبدع من ذاكرتي وأوراقي ولكني وجدت أن موضوع فيلمه القصير صالح لزمنه وزمننا هذا وأزمان قادمة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور