وحده سوق نيكسون نجا من عاصفة الرسوم الجمركيّة التي ارتفعت على الملابس المستوردة بما في ذلك ما يسمى ببضائع التصفية ( الستوكات ) باعتبارها ملابس جديدة انتهى موديلها في البلاد الأوروبية والامريكية فباعها التجار الى زملائهم في الدول الفقيرة والنامية لكسوة اغنيائها بملابس جديدة ارخص من الملابس التي تنتجها المصانع ودور الازياء كل عام .

سوق نيكسون ثم باقي رؤساء امريكا أطلقه الاردنيون ( تندرا ً) على سوق الملابس المستعملة في البالة وفي أذهانهم أن كل شيء يأتي من امريكا ... ملابس وأحذية مستعملة ... قروض ميّسرة وقروض مشروطة ... أزمات اقتصادية ... حروب متفرقة لتشكيل خريطة المنطقة .. ثورات محدودة وثورات فوضوية تبدأ ولا تنتهي ... تأسيس الارهاب واحتضانه ثم محاربته حينما تنتهي الحاجة اليه ... بينما الواقع أن أغلب البالة تأتي من أوروبا ... حتى الفرو الروسي المستعمل نجده فيها مختلطا ً بالمعاطف الفرنسيّة والبنطلونات الانجليزية والقمصان الألمانية .

لا احد يجهل أن البالة كساء لأغلب الاردنيين الفقراء وحتى بعض الأغنياء ... اشتهر منزل في عمان الجنوبيّة بزيارات السيارات الفارهة بنمر حمراء وبيضاء ينزل منها مسؤولون كبار واساتذة جامعات لشراء ما انتقاه ابو العبد من سوق البالة ... ذلك الذكي كان يتجول في السوق ويختار افضل البدلات والمعاطف بقياسات مختلفة وربطات عنق جميلة ... يدفعها الى الكوّى ( دراي كلين ) ثم يعرضها في منزله جديدة وكأنها قادمة من اشهر دور الأزياء العالمية ... يبيعها للكبار والأغنياء بنصف ثمن الجديد المستورد ... سألته ذات حين لماذا لا يفتح معرضا ً أو دكانا ً لبضاعته ... أجاب الذكي .. لا لا لا ... هيك أستر ... شو بتسوى لأبو فلان يوقف سيارته قدام الناس ويفوت يقيس بدله من الباله ؟؟؟ ... بالبيت استر .

ذات حين قابلت أحد الوزراء في مكتبه للتوسط بوظيفة مياومة لعاطل عن العمل كالعادة ... نظر الى بدلتي ونظرت الى بدلته وابتسمنا قبل أن أعرض حاجتي ويعتذر معاليه عن تلبيتها ... بقي وقت لارتشاف القهوة تحدثنا فيه عن أحدث الموديلات في منزل ابو العبد لانتقاء الجديد من البالة المطوّرة ... الهيزعة التي أثيرت عن رفع الرسوم الجمركية على الملابس المستوردة تستحق النقاش عن ذوق المواطن الاردني واستهلاكه ... وعن علاقة المستوردين وباعة المفرّق الذين يطلبون أسعارا ً عالية لقطعة الملابس ثم تبدأ المساومة لينخفض الثمن بقدرة قادر الى رقم يختلف كثيرا ً عما هو مكتوب على البنطلون او القميص أو الفستان او البدلة .

ترى لماذا لا يحفّز اجراء الحكومة جميع المستثمرين وصنّاع الألبسة في المملكة لتنمية صناعة وطنية تماحك أذكياء الصين وكوريا في تقليد اغلب الماركات العالمية ؟ ... ليس للاستهلاك المحلي فقط وتدريب اليد العاملة . بل للتصدير . فقد اشترينا ملابس من أمريكا وجدنا على بطانتها بالانجليزية ( صنع في الاردن ) ولعلها موجودة في بلدان متقدمة اخرى غير الولايات المتحدة ... ثم ان جيراننا المنكوبين في سوريا قد أسسوا صناعة متميزة للملابس وجدت لها مكانا ً في اسواقنا وبيوتنا . ليس كل مادتها الأساسية من انتاج التراب السوري . بل هي مستوردة يعاد تصنيعها في دمشق وحلب وغيرهما ... حتى ذلك الحين لا بأس من زيارة اسواق أوباما .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور