حينما خرج الفلسطيني من منزله في يافا الى الزورق بطريقه الى غزّة وصيدا وصور وبيروت . أو سيرا ً على الأقدام الى العرّوب وبلاطة والوحدات والحسين في عمان والزرقاء ايضا ً ... يحمل الصرة التي اصبحت وثيقة بسينما الأسود والأبيض . أغلق البيت على معظم اثاث منزله وأخذ المفتاح وغادر . جاء العيد الأول بعد النكبة والثاني والثالث . واللازمة اياها تتردد في تبادل المعايدة ... العيد الجاي في البلاد ان شاء الله ... بقي المفتاح ميراثا ً للأجيال وقد اختفى الجيل الذي حمله بعد ان اغلق الباب على كوارة القمح وعود الحراث وجونة المفتول وصرّة الملوخية الناشفة ... وثّق لنا نجوم الادب والسياسة تلك الحالة فيما كتبه الدكتور محمود السمرة والدكتور احسان عباس والدكتور ادوارد سعيد .
تكيّف الفلسطيني مع حالة المخيم بعد هزيمة ثانية لحقتها هجرة ولجوء بعد حرب عام 1967 . تكيّف مع مخصصات وكالة الغوث والمنافي والشتات في ارض الله الواسعة ... تضخم المخيم بفعل التناسل رغم مغادرة الناجحين له ليؤسسوا أعمالا ً ومصالح تجارية اصبحت علما ً على افق الحياة الاقتصادية في الوطن العربي والعالم ... بعد أكثر من ثلاثة ارباع القرن استيقظ السوري على الحلم المرعب ... حمل ما تيسّر من اثاث البيت وغادر الى مخيمات اللجوء وفي ذهنه روايتان تترددان عبر الاعلام كل يوم ... الرواية الأولى تقول، غن الجيش السوري الحر والمنظمات الجهادية التي وجدت لها مرتعا ً خصبا ً في سوريا سيقضون على النظام خلال أشهر .. الرواية الثانية تقول، إن النظام السوري سيطارد المسلّحين ويخرجهم من البلاد بعد ان يقتل منهم الكثير ويسجن القليل ويطرد ما تبقى . وهذه العملية ستتم خلال اسابيع وليس اشهر ثم يعود اللاجئون الى منازلهم يفتحونها من جديد . يداوون جراحهم ويؤكدون مقابر قتلاهم للزيارة في المستقبل ويبنون ما تهدّم من منازلهم ويرسلون اولادهم الى المدارس لتعويض ايام التعطيل ثم يندمجون في تيار الحياة المتدفق لتصبح أشهر الثورة القليلة ذكريات تضاف الى تاريخ ايام الانقلاب المتكرر والحركات التصحيحية وهزائم حرب عام 1967 والنهوض والكبوة في حرب عام 1973 .
خلال عامين من انتظار العودة ... وبكره راجعين ... تكيّف السوري مع لازمة المعايدة الفلسطينية قبل ثلاثة ارباع القرن ... العيد الجاي ان شاء الله بالبلاد ... وتكيّف مع المخيمات ومماحكة منظمات الاغاثة للحصول على طعام وخدمات لجوء افضل ... اقتحم الشوارع العربيّة من اليمن الى الجزائر يمارس العمل ويدفع بأولاده للتسوّل مع الاعلان عن جنسيته ليستدر عطفا ً أكثر وفي العقل العربي الحقنة الاعلامية اليوميّة عن مصائب سوريا وشعبها ... ما يلفت النظر في كل هذه الحالات أن الأردن أخذ النصيب الأكبر من اللجوء البشري الى ارضه ابتداء من فلسطين وانتهاء بسوريا وفي الوسط هيزعة نصف مليون انسان في حرب الخليج ... لم تكف اراضي سوف وجرش والبقعة وزيزيا والكرامة والسخنة وقبلها عمان والزرقاء لفتح المخيمات . بل امتدت الحالة الى البر والصحراء في الزعتري ومريجب الفهود والازرق . وربما في الموقر وباير مرورا ً بمشاش حدرج ... الغريب أن أميركا وأوروبا تقاسمتا لاجئي البلقان بعد تفتيت يوغسلافيا بينما الدول العربية بمساحاتها الشاسعة وخزائنها المليئة بالمال لم تفتح مخيما ً واحدا ً على ارضها . تركت المهمة لجمل المحامل الذي بدأ يرغي من ثقل الحمل وهو يردد المثل القديم ... ياما مر على هالجسر من جمّالة ...
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور