حينما استقر قسم كبير من ( رعيان الجغدا .. وهذه نخوتهم ) أهل الجبل في سفوح حوران الجنوبيّة في الثلاثينات من القرن الماضي . اختار عواد البريك ( تصغير بركة ) خربة مكيفته النبطية الصغيرة للإقامة فيها مع عشيرته الصغيرة ... هناك بركة نبطية قديمة وإلى الشرق الشمالي تجاوره دير الكهف وإلى الغرب الجنوبي خشاع سليتين ... كانت حشرة القراد بالملايين إن لم تكن بالمليارات لأن الشرفات والعظامات والعيسى والسرديّة يملكون الآف الجمال التي ترعى في الحرّة وتعود إلى معاطنها تنوخ أمام بيوت الشعر وفي ساحات منازل الأنباط القديمة ... مع الجمال كان هناك الألآف من رؤوس الغنم . ضأن وماعز ... كلها تحتك بالإنسان يوميّا وهو يحلبها ويسوقها للمراعي ويعود بها ... وكلها تحمل القراد الذي أصبح اسم علم في المجتمع الأردني القديم خلال رحلة شراء القطران والفونيك من أسواق اربد والسلط والمفرق وعمان للمكافحة التي لم تكن فعّالة بدلالة استمرار عيش القراد على ظهور حيواناتنا باستمرار .

عانى الأردنيون من وباء ( الهيضة ) الكوليرا في الشمال والجنوب ... حملت إلينا الذاكرة الشعبيّة حكاية الرجل الذي يخرج للخلاء ليقضي حاجته ولا يعود ... فقد مات الكثير في الكنيف المفتوح على البريّة ... كان هم حكومة ذلك الزمن مكافحة الملاريا والقراد بالإضافة للتطعيم الذي كنا نهرب من المضارب حينما نرى مأمور الصحة مع جندي الفرسان قادمين ... فرجل الصحيّة ( ممرض التطعيم ) يجرح الساعد بسكينه ويضع نقطة من المصل ... بقي جرح ( البذّاح ) مأمور الصحة علامة فارقة على سواعدنا كما هو حال الوشم على وجوه جدّاتنا ... كان القراد يسرح ويمرح على ظهور الجمال والغنم وكثيرا ما نزعه البعض عن رقابهم وقتلوه ... ومع هذا لم يسجل تاريخ الأمراض الوبائية الأردنية حالة مرض ركتسيا الذي تنسب تسميته إلى مكتشفه هاوارد تيلور ركتيس عام 1910 . خلال بحوثه لاستقصاء مسببات مرض التيفوس .

اجتررنا كل هذا التاريخ وفي أذهاننا أن بعارين أهل الجبل تلاشت إلى حد النموذج ... فآخر رعيّة بعارين شاهدتها في التسعينات من القرن الماضي تشرب من بركة صبحا وصبحية بإشراف مالكها قطاش المدارمة ... وشلايا الأغنام تروح وتجيء مع التجار باستثناء بقايا قليلة في بعض المنازل التي تريد توفير غموس خبز أطفالها ... ولشح الأغنام الأردنيّة استعان التجار والقصابون بخروف دبي والسودان واستراليا ونيوزلندا . ومجمدات أوربا . ثم إن الأغنام السوريّة دائمة الحضور إلى أسواقنا بالتهريب منذ تطبيق معاهدة سايكس- بيكو حتى الآن ... لماذا ظهر قراد الركتسيا في هذا الزمن ؟؟ ... أنقل عن محلّلين في الصحة العالميّة أن تداعيات أمراض الركتسيا تتفشى في أيام الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعيّة ... نحن نجاور الثلاثة في الشمال صحيح . ونقدر جهود وزارة الصحة في حصر الوباء وعلاجه وهو لا ينتقل من إنسان إلى إنسان . بل من لدغة قراد إلى إنسان ... في دير الكهف مركز صحي شامل بأجهزة حديثة مكيفته تبعد عنه حوالي أربعة كيلو مترات ... لابد أن أولى المصابين راجعوا المركز ... لماذا لم يقرع الأطباء هناك جرس الإنذار منذ اكتشاف الحالة الأولى من بين عشرة حالات في مكيفته نتج عنها وفاتين ؟؟... أعراض المرض كما تصفها مديرية الأمراض السارية والمعدية في وزارة الصحة هي ارتفاع الحرارة والطفح الجلدي وهي أعراض تجعل المصاب يهرع إلى الطبيب وكان على الطبيب أن يدبَّ الصوت .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور