أبدع الأردنيون في وصف خلايا التعطيل النائمة في مجتمعهم قبل أن يسمعوا قصة الطوابير الأربعة التي قادها الجنرال أميليو مولا، زاحفا نحو مدريد في الحرب الأهليّة الإسبانيّة معتمدا على طابور خامس داخل العاصمة الإسبانيّة يختبئ بين السكان بانتظار إشارة التحرك ... قالوا في أمثالهم: “الحجر المدفون يكسر السكّة” ... أسوأ ما يواجهه الفلاح في يوم عمل حراثة على فدان البقر أو زمالة مطواعة . هو أنْ تنكسر سكة المحراث الحديدية التي تشق وجه الأرض لتدفن البذار في أول الموسم ... ضاع منه يوما عمل يخرج فيهما من شروق الشمس إلى غروبها في سباق مع أمطار الموسم ... اليوم الأول كسر السكة بعد اصطدامها بالحجر المدفون الذي لا يعلم الفلاّح بوجوده ... وقد أخذوا منه رمزا للشخصيّة المعارضة إلى درجة التعطيل أو التخريب على الصالح العام للجماعة في المواقف الحرجة ... اليوم الثاني سيحمل فيه الفلاح سكة المحراث إلى الحداد في المدينة لحسمها ( إصلاحها ) وإذا كان الضرر كبيراً سيتكلف شراء سكة جديدة يبدأ الحراثة فيها صباح اليوم الثالث ... أطلقوا وصف محراك الشرّ على رجل يصنع خبرا أو قصة تؤجج نار العداوة والشجار بين أبناء العائلة أو القبيلة حتى إذا اتفقوا في النقاش على أمر من الأمور يعلّقون بقولهم ... “هذي سالفة غاب عنها فلان وغاب الشيطان معه” ... من أوصافهم الحادّة لمفبرك الأخبار التي تشغل بالهم وتؤدي إلى البلبلة في مجتمعهم ... سمّوه بيرق الكذب . تأكيداً لاشتهار أكاذيبه بينهم كأنها بيرق مرفوع على سارية ... وهم يقصدون أنه معروف بأكاذيبه لكل الناس ولهذا يروون عنه على سبيل التندّر ... وقد كان بعضهم ذكياً حتى لايتحمل مسؤولية ما يحدث بسبب كذبه أو فتنته ... حينما يسألونه عن مصدر الخبر يجيب ... سمعت من الناس ... أو ... الناس يقولون ... لا يحدد اسما بعينه تاركا لخيال الآخرين البحث والتنقيب .... وصفوه باشعار شعبية لاذعة في معناها :

افلان شرق على حايل

زرق الحناتير ما جابنّه

الكذب بأركانهن مايل

والصج ما عاد يلقنّه

ترى كم حجراً مدفونا في فلاحتنا تنتظر سكة المحراث لتكسرها وتعطل وتخرب أياماً من أيامنا ... إذا كان بيرق الكذب يفبرك أخباره في مجالسنا القديمة وبين تجمعات الحراثين، والرعاة ويسهل كشفه بعد الثانية أو الثالثة النابتة ... كم بيرقا يتجول في عقولنا ونحن نطالع الشبكة العنكبوتيّة كل يوم ؟؟؟ والأخبار تبدأ البداية إياها ... علمت مصادرنا ... وقد صرَّح فلان؛ طالبا عدم ذكر اسمه ... ويتحدث المواطنون عن ... وعلمنا من مصدر مطلع ...


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور