قبل اعوام اجتهد فريق من التلفزيون الأردني لاستعراض المعلومات العامة لطلاب الجامعات الأردنيّة .... تجوّلت الكاميرا في الأروقة والساحات والمذيع يسأل ... هل تعرف من هو مصطفى وهبي التل ؟؟ ... كانت الإجابة صادمة ... رئيس وزراء سابق ... هل تعرف من هو نجيب محفوظ ... الجواب ممثل أردني ... استهوت المذيع الذكي إجابة الطالب وسأل من جديد ... في اي مسلسل شاهدته ؟؟ ... وجاءت الإجابة أكثر صدماً ... في المسلسلات البدويّة ... كان نجيب محفوظ حينها فاز بجائزة نوبل وملأت أخباره الصحف العربيّة والأجنبية .
منذ عشرين عاماً ويزيد لم يتغير الأمر كثيراً ... تقتصر معلومات أغلب طلابنا على ما يدرسونه من مواد في الثانويّة العامة والجامعة في حين كان أجدادهم يحفظون أشعار عرار مع بعض المعلقات . ويعرفون التسلسل التاريخي للوطن العربي ابتداء من زمن الدولة العثمانية إلى زمن دويلات سايكس بيكو ... إلى هنا والأمر يحتمل الدراسة والتأويل والبحث ... فالجديد في تيّار الحياة المتدّفق وجّه عقول الشباب إلى التلفزيون ثم الإنترنت وكلاهما مليء بالمعلومات القيّمة لمن يريد المتابعة حتى لمعرفة تاريخ العالم ,هل نكرر حكاية البقرة والسوبر ماركت ؟؟ ... سألت الأم ابنها أمام الجارات الزائرات ... من اين يأتي الحليب ؟؟؟... أجاب الطفل ببراءة ... من السوبر ماركت .
استعرضت هذه الذكريات المضحكة والمؤلمة بنفس الوقت وأنا أشاهد لافتة احتجاج لطلاب جامعة خاصة وقد كتب عليها بالحرف ... نطالب بالغاء قرار الفصل التعسفي والإنزار للطلاب ... لم أشاهد بقية اللافتات ولكني أتوقع سقطات كثيرة في استعمال اللغة العربيّة من قبل طلاب جامعيين يدرسون على أيد أساتذة ملتزمين دينيّاً مما يجعلهم متفقهين بلغة القرآن الكريم ... تخيلت لافتة مكتوبا عليها سنئاطع المحاضرات حتى يتوقف الفصل والإنزار ... عليكم إلغاء كافة العئوبات ... الخ ... فهمنا من المحتجين أن الجامعة فصلت أربعة طلاب ووجهت إنذارا لثلاثة على خلفيّة احتفالهم بخروج زميل لهم من المحكمة ... وقد أدى الاحتفال إلى مشاجرة طلابيّة ( ليست عشائرية هذه المرّة ) أعقبتها قرارات الجامعة ... إذا كان الدرس من الأساتذة إلى الطلاب بمستوى الجهل باللغة العربّة ليكتب المحتجون كلمة الإنزار بدلاً من الإنذار فنحن لا نلوم الطلاب فقط ... بل نلوم الأساتذة الذين درسوهم ... فاللغة هي هويّة الأمة والوطن قبل كل شيء .. وكلما انحدر الإسفاف بها كلما نخر سوس الجهل بهوية وطنها وأبنائه .
أجمع زوار فرنسا أن أغلبيّة الفرنسيين من المثقفين والمتعلمين يعرفون اللغة الإنجليزية ...ولكنهم يرفضون التحدث بها حتى لإجابة عابر سبيل لإرشاده الى مكان معين ... يصر الفرنسي على الحديث بلغته . يستعمل يديه بالإشارة لإرشاد السائل إلى المكان الذي سأل عنه وفي ذهن الجيل القديم والحديث من الفرنسيين أن لغتهم هي لغة الثقافة والفن في أوروبا كلها وأمريكا .
دعونا نمرح مع ذلك العالم القرشي الذي فاخره نظيره اليمني في صدر الإسلام متباهياً بأن اليمن قوماً ولغة هم أصل العرب وأن النعمان والمنذر من اليمن أصلا ...و...و...و...سأله القرشي عن أسم الأصبع ؟؟؟ ... فرّد عليه رعاه الله ... الاصبع شنتار ... والأذن يا هداك الله ؟؟؟ ... رد اليمني القديم ... الاذن صنارة ... ابتسم القرشي وردّد الآية الكريمة ... يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ... وأضاف ... لم يقل سبحانه وتعالى ... يضعون شناتيرهم في صناراتهم ... إذا كان التلفزيون يتحدث بأكثر من ثلاثين لهجة ويؤثر في المشاهد فإن المدرسة والجامعة هما درع الوقاية للجيل الناشئ الذي يستعمل عشرات المفردات الأجنبية في حياته اليوميّة .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور