ظاهرة اللقطاء او ابناء الحرام التي انفجرت في وجوهنا في الايام الاخيرة ، مؤشر خطير على الفوضى الاجتماعية التي نعيشها ، والازمة الاخلاقية التي تلقي بظلالها على مجتمعنا ، دون ان نحرك ساكنا لمواجهتها ، وهي اخطر من كل الازمات السياسية والاقتصادية ، بلا شك.

والواقع ان هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر المدمرة ، التي تجتاح مجتمعنا ، نتيجة طبيعية للخراب الذي عشش في العقول والنفوس ، لدى الاجيال على مختلف مستوياتها ، نتيجة الابتعاد ليس فقط عن مبادئ ديننا وشريعتنا ، والضرب بعرض الحائط بكل ما تأمر به هذه الشريعة وتنهى عنه ، بل كذلك بسبب انخلاعنا التام عن عاداتنا وتقاليدنا العربية ، التي كانت موجودة حتى قبل انفجار ثورة الاسلام ، والحفاظ على الشرف في مقدمتها.

هذا الانفتاح غير المدروس وتمييع كل الخطوط على بعضها بحجة التقدم ومواكبة العصر ، واعلاننا الحرب على كل ما هو مقدس لدينا ، اوصلنا الى هذه النتيجة المرعبة ، حتى اكلت النار المجنونة كل ما تبقى من قيمنا ، واتت على كل قلاعنا ، وآخرها قلعة الشرف ، حيث تناثر ابناء الحرام على قارعة الطريق ، كاشارة واضحة الى ان ما يسمى بالشرف ، لم يعد يعني شيئا للكثيرين ، وهذه الصورة تجعلنا نستحضر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "اذا ظهر الزنا على قارعة طريق قوم فقد استعجلوا عذاب الله" ، وكثرة ابناء الحرام على قارعة الطريق ، دليل واضح على ان الزنا تفشى في مجتمعنا ، وبدأ يعلن عن نفسه ، وبالتالي استحقاق العذاب ، أوليست هذه الازمات المتنوعة - وعلى رأسها الازمة الاقتصادية - عذاباً؟ أوليس انحباس المطر عذاباَ؟ والله عز وجل يقول في كتابه العزيز: "ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا...." الى اخر الآية. أوليست هذه الاوضاع التي نحياها من ضنك العيش؟

ظاهرة ابناء الحرام هذه ، لا يمكن مواجهتها بالوعظ فقط على اهميته ، او بالحل الشرطي ، ولكن المواجهة الحقيقية لهذه الظاهرة ، تتطلب منا الغوص في اعماقها ، وتحليل العوامل التي ادت الى ظهورها ، بهذا الشكل المخيف ، علينا ان ندرس سبب الخواء الروحي ، الذي اجتاح عقول الاجيال وتفكك عرى المجتمع ، وبالطبع هذه حلقات صغيرة من المعادلة الكبرى في الموضوع ، وهي انسلاخنا كأفراد ومؤسسات ، عن مبادىء الدين وقيمه الحنيفة ، وهذه قصة بحاجة الى مجلدات لتحليل اسبابها ونتائجها.

لقد قصرت كل المؤسسات التي يجب ان تعنى بهذا الشأن الاهم في حياتنا ، واختزلت مهامها في مهام ادارية ، بل على العكس ، بعضها شوه المفاهيم الصحيحة للاسلام بالاداء السيىء ، سواء المؤسسات الدينية او التربوية او الثقافية ، وحتى مؤسسة البيت ، التي تعتبر المؤسسة الاهم في كل المعادلة ، وبالتالي ترك الناس في مهب الريح ، تتناوشهم سهام الانحلال والانفلات الاخلاقي ، حتى وصلت الامور الى ما وصلت اليه ، وبقينا نراقب عن بعد تفكك عرى مجتمعنا ، حتى جاءت هذه المخرجات ، وكلنا متورط في المؤامرة بعلم او بدون علم.

سقى الله تلك الايام الطيبة ، التي كانت المرأة الحامل تستحي من الخروج الى الشارع ، حتى لا يراها الناس ، ورحم الله ذلك الزمن ، الذي كان الناس يستهجنون منظر الشاب والفتاة في الطريق يمشيان مع بعضهما ، حتى ولو كانا زوجين. اليوم يرى الواحد منا الفاحشة على الطريق ، فلا يلقي بالا.

لقد ساهمت التشريعات المختلفة ، في الوصول الى هذا الوضع المأساوي ، فرجل الامن لا يستطيع ان يقترب من شاب وشابة ، يمارسان الفاحشة على الطريق ، ولو حاول تحمل المسؤولية ، بحجة ان القوانين لا تسمح له بذلك ، من يجوب شوارعنا الداخلية والخارجية ، يرى بأم عينيه ، مئات الشباب والشابات في مواقف تخدش الحياء وتمس الكبرياء ، ولا يستطيع احد ان يفعل شيئا ، ومن يحاول الدخول الى بعض الملاهي والمطاعم ، يرى من الخلاعة ما يشيب له الولدان.

لقد مارسنا الحرية بشكل مشوه وعقيم ، دون ان نعلم اننا نسلك طريق الهاوية ، وفهمنا معناها بشكل خاطئ ، وفسرنا السلوك القادم الينا من مستنقعات الغرب ، بكل انفلاته من الاخلاق والقيم السليمة بالحرية ، وما ابعد هذا عن الحرية.

ان الحرية في مفهومنا ، هي التي تحترم انسانية البشر ، وتعني لنا حرية التفكير والتعبير وحرية المعتقد والسلوك المنضبط ، وليست حرية الغرائز ، التي تحول الانسان الى حيوان من الدرجة الدنيا.

يقول البعض ان هذه الظواهر الاجتماعية ، ظهرت مع تفشي الفقر والبطالة والعوز عند الناس ، وفي اعتقادي ان هذه العوامل ، ليست لها علاقة بما يحدث من اختلالات اجتماعية: فالفقر ليس بجديد علينا ، وصعوبة الاوضاع الاقتصادية ، ليست بجديدة ايضا. لقد كانت قرى كاملة ، لا يجد الانسان فيها كيس قمح او دينارا واحدا ، وكانت العائلة كلها تنتظر ، حتى على مستوى تجديد الملابس عاما كاملا ، حتى يأتي موعد القطاف ، وكثيرا ما كان الجدب يجتاح الموسم بالكامل ، والوضع نفسه كان في المدن ، ولكن الناس ظلوا محافظين على شرفهم.

وقد تعلمنا في ثقافتنا العربية الاسلامية ، ان الحرة تجوع ولا تأكل بثديها.

نرجو الله ان لا تكون ظاهرة اللقطاء مقدمة لتشريعات تعترف بهذه الظاهرة ، حيث بدأت بعض الجهات تنادي بايجاد تشريع للسماح بالاجهاض ، وهذا يعني فتح الباب على مصراعيه ، للفساد في الارض. ونقول لمن يطالب بالغاء التخفيف عن عقوبة ما يسمى بجرائم الشرف: ألم تغيروا مواقفكم بعد انفجار ظاهرة اللقطاء في وجه المجتمع؟ اما نحن فلا توجد في قاموس ثقافتنا جرائم الشرف ، بل دفاع عن الشرف ، الذي دونه خرط القتاد.

اخيرا وليس اخرا ، نقول ان الدين الحنيف والقرأن العظيم وحدهما القادران على رد الحياة الى الجسد المنهوك وترميم البناء المتهالك والا فان القادم اعظم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمد حسن التل   جريدة الدستور