كامل عمر البلال
كاتب سوداني
اتخذت قريش أساليب شتى لقمع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أورد رواة السيرة النبوية – وما أكثرهم – هذه الأساليب في نماذج لوقائع متعددة حدثت له صلى الله عليه وسلم ولأصحابه. وبمقارنة هذه الأساليب القديمة مع الأساليب الحديثة التي يمارسها أعداء الإسلام اليوم نجد أن الأسلوب هو هو لم يتغير، والمضمون والمحتوى كذلك لم يتغير، وإن كان هناك تطويراً في الوسائل التي يستخدمها دعاة الضلال في عصرنا وذلك باستخدامهم فنون التقنية التي لم تكن معروفة في تلك العصور. ولكي نؤكد صحة ما نقول نشير إلى هذه الأساليب التي مارسها القدماء ثم نعقد المقارنة بينها وبين أساليب أعداء الإسلام اليوم.
نجد أن من أول الأساليب التي استخدمها المشركون لقمع دعوة الني صلى الله عليه وسلم أسلوب(السخرية والاستهزاء) والتكذيب والتضحيك، وقصدوا بهذا الأسلوب تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي صلى الله عليه وسلم بتهم هازلة وشتائم سفيهة... فكانوا ينادونه بالمجنون ويصمونه بالسحر والكذب، وكانوا يشيّعونه ويستقبلونه بنظرات ناقمة وعواطف هائجة، وكانوا يستهزئون بأصحابه الضعفاء المساكين ويقولون : أهؤلاء جلساؤه (منّ الله عليهم من بيننا) ومعنى الكلام : هل من المعقول أن تقع الهداية على هؤلاء الأراذل في نظرهم، وتتركهم وهم أهل السؤدد والشرف؟ ورد عليهم القرآن بقوله: (أليس الله بأعلم بالشاكرين).
وكان حال المشركين مع أهل الإيمان كما قصّ الله علينا:(إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون. وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون).
ومن أساليبهم أيضاً (التشويه وإثارة الشبهات) وبث الدعايات الكاذبة الواهية حول تعاليم الإسلام وحول ذاته صلى الله عليه وسلم وشخصيته، والإكثار من ذلك بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر دعوته، فكانوا يقولون عن القرآن:(أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلا).. (إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون) ، وكانوا يقولون:(إنما يعلمه بشر).. وكانوا يقولون:(مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ..).
وبعد السطور التي نقلناها من " الرحيق المختوم " يمكننا عقد المقارنة بين ما كان يتم يومها وما يجرى اليوم، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه : السخرية والتحقير والاستهزاء بالمسلمين مازال موجوداً، بل لقد نما وتكاثر، وأصبحت السخرية في عالم اليوم منهجاً منظماً .. تقوم به مؤسسات وتدعمه دول، بل وتُسَنُّ لذلك قوانين وتضع قواعد تسميها (بالحرية) تارة، و(الرأي) تارة أخرى إلى غيرها من المصطلحات الجوفاء التي يضعونها لأنفسهم – فقط – حق التفسير هذا.
أما التشويه لتعاليم الإسلام، فحدث ولا حرج، فالتشويه الآن يتبناه مستشرقون ومفكرون ومؤتمرات دولية ومؤسسات إعلامية لا هَمّ لها سوى إثارة الشبهات ضد الإسلام وضد تعاليمه، والنماذج لهذا كثيرة في أقوالهم في الميراث والطلاق وتعدد الزوجات وحجاب المرأة وغيرها.
وهم يثيرون هذه الشبهات من أجل الإيحاء لنا ولغيرنا بأن نظمهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي الأفضل والأكمل والأشمل، وأخطأوا في ذلك خطأ جسيماً ومارسوا سياسة الكيل بمكيالين – كما هي عادتهم – عندما تحدثوا عن قصور متوهّم في نُظُم الإسلام وتغاضوا عن العوار والشنار الذي تضجّ به مجتمعاتهم ...
(امرأة تموت وتوصي بثروتها البالغة عشرة ملايين دولار لقطتها أو لكلبها أو لقردها أو للخنفساء القابعة في ركن من أركان منزلها).. فالكل سواء، حيوانات وبهائم لا تعي ولا تفهم، أليس هذا كفيل باقتناعنا تماماً بالحكمة الإلهية في توزيع أنصبة الميراث منه جل وعلا، وعدم إعطاء أي مخلوق الحق في ذلك، وإنما اختص شرعه تبارك وتعالى بهذا الحق الجليل؟
تعدد الزوجات أم اتخاذ العشيقات والأخدان؟ الطلاق( التسريح بإحسان) أم إجبار الزوجين على العيش مع بعضهما بعد أن وصل الأمر بينهما إلى طريق مسدود ؟ فأصبحا في منزلة بين المنزلتين: ليسا بزوجين وليسا مطلقين؟
قليل من المقارنة بين ما وصلوا إليه من خلال نظرياتهم وبين تعاليم الإسلام السمحة توضح لنا أن سخريتهم وشبهاتهم ليست في محلها، وكان الأولى أن يسخروا من أنفسهم وأنظمتهم
.
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
عقيدة