لم يبق مسؤول حالي او سابق ، شريف او غير شريف ، الا وتم ادخاله الى الطاحونه ، حيث تدقه دقا ، وتذروه الرياح ، فلا يسلم في حياته ولاسمعته ، حتى لو كان ملاكا مطهرا.

حين كنت طفلا ، كنت اراقب جدتي رحمها الله ، وهي تطحن القمح في طاحونة حجرية ، ثقيلة الوزن ، حملتها من القدس الى مادبا فعمان ، تمضي النهار وهي تطحن القمح ، وتصر ان لاترسل حصتها من القمح الى اي طاحونة حديثة ، وترى في الطاحونة الحجرية ، سرا خاصا ، تنثر حبوب القمح ، عبر مدخل الطاحونة ، ثم تجمع الدقيق لتخبزه لاحقا ، لها ولجدي ، فيما تصطف بقية العائلة عند مداخل الافران وطوابيرها.

بقي صوت الطاحونة في رأسي حتى هذه الايام ، وحين اتأمل اسماء مئات الرجال ، من كل الطبقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، اكتشف ان لا احد سلم منهم من ذات الطاحونة ، فكل اسم ، يدخل الى الطاحونة ، ويخرج منها دقيقا ، والطاحونة لاتشبع ، والكل واقف على الدور ، ومن يسكت على الطاحونة اليوم ، وهي تطحن غيرها ، سيأتيه الدور غدا ، فالطاحونة جشعة وطماعة ولاتمل طحن الرجال ولاتفرق بين القمح والزوان ، ولاجل هذا خلقت في الاساس.

ماهو غير عادل في القصة ، مايتعلق بوجود رجال شرفاء تولوا مواقع ، في مراحل مختلفة ، غير انهم لم يسلموا ، ايضا ، وتكسرت الطبقة السياسية ، بأكملها ، حتى لم تتبق هناك اسماء ضامنة في المجتمع ، او قادرة على اقناع احد بنفسها ، لان حمي الطحن شملت الجميع ، دون معايير ، وحين يذكر اسم أي رئيس حكومة او وزير او نائب او عين او اي مسؤول ، في اي مكان ، يتم طحنه على الفور ، فلا اجماع على احد ، والكل مختلف على الكل ، ونستنبط الاشاعات من رحم عدم المعرفة ، فيتم تلطيخ مئات الاسماء ، بذرائع مختلفة ، ماليا وسياسيا واجتماعيا ، حتى فقد الناس الثقة في كل الاشخاص ، المؤهلين وغير المؤهلين.

هدير الطاحونة ، يسبب اعراضا جانبية ايضا ، ابرزها انها تقول لمن يستمع الى صوتها ولم يصله الدور ، ان عليه ان يرتجف خوفا ، ويتمنى ان تبتعد عنه المسؤولية ، لان لقب معالي ثمنه من دم الانسان وسمعته ، ولقب دولة ثمنه مرتفع يتجاوز الرواتب والمخصصات والحسد والتحاسد ، ولقب سعادة المناط بالنائب ، ثمنه سمعة مهدورة في كل مكان ، والطاحونة لاتعرف العدل وفمها مفتوح ، تطحن الحبوب البيضاء النقية ، والحبوب السوداء المليئة بالسوس ، فهي غير عادلة على الاطلاق ، بل وتقول لبقية الحبوب في سنابلها ، بأن الدور قادم عليها ، فتتحول كل الطبقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، الى طبقات خائفة مذعورة ، لاتريد ان ترى احدا ، ولاتريد ان يراها احدا ، ولاتريد ان تقترب من عمل عام ، فأن اقتربت كانت في "مهمة انتحارية"بكل المعايير.

ندين الفساد ، ولانذكر الاسماء ، وندين النواب ، فنأخذ الصالح بالطالح ، وندين الوزراء ، فنأخذ المجد بالنائم ، وندين رؤساء الحكومات ، فيطحن كل رئيس من سبقه ، ويسكت على طحن سابقيه ، لانه بالكاد قادر على حماية نفسه من الطاحونة في موقعه وبعد خروجه ، ويتمنى كل رئيس عامل ، ان يكون طحنه خفيفا ، وتقاعده بأقل الخسائر ، وهكذا تستمر لعبة الطاحونة في حياتنا ، لنكتشف في المحصلة ، انه لم يتبق احد ، ولم يسلم احد ، والكل متهم ، والكل تحت سكاكين الريبة والاتهام والشك ، وما ان تبرد الطاحونة قليلا ، حتى تفتح فمها من جديد لزبائن جدد ، صدقوا ان هناك امكانية لعمل عام ، دون كلف جائرة ، واجتياحات لحياتهم.

الطاحونة لم تنتج الدقيق ، كما طاحونة جدتي ، بل هشمت جماجم الرجال في البلد ، النظيف وغيرالنظيف ، فهي طاحونة جائرة ، بحاجة الى يد تكسرها ، والى من يفهم ان تكسير الاسماء ، هو تكسير للمؤسسات والتقاليد ، وتهشيم للمؤسسة العامة ، وعلاقتها بالناس ، وخلط بين النقد الموضوعي ، وتحطيم البنى التحتية للمؤسسة العامة.

كأن جدتي لم ترحل ، وصوت الطاحونة مازال يهدر فوق رؤوسنا.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   ماهر أبو طير   جريدة الدستور