يقف الملك على شرفة بيت الاردن ، يسرح النظر ، في الافق البعيد ، هموم الناس ، استحالت شيبا في رأس الملك ، ومعاجن الفقراء التي تخلو من القمح ، لا تغيب ، عن طعام افطار المليك.

نهار الملك في رمضان ، لا يختلف عن بقية نهاراته ، لا ينام الملك حتى صلاة الفجر ، من كل يوم. صبيحة ذهابه الى السلط ، قبل يومين ، يقرر الملك أن يعفي طلبة المدارس من رسومهم ، ملايين الدنانير يرفعها الملك عن كاهل الناس. يدخل الملك قلوب الطلبة. احدهم من ناعور قال ان المدرسة كانت ترفض اعفاء اخوانه من الرسوم المدرسية ، وتعفي طالبا واحدا من سبعة. السنة مثل الماضية.لن نرجو المدير لاعفاء اخواني الفقراء من رسومهم ، نذهب الى المدرسة دون ان يعتري الخوف والخجل وجوهنا ، والاضطراب قلوبنا ، من احراجات السؤال عن الرسوم.

بطلته المشرقة النورانية والجميلة ، وبعد ايام من عمرة اعتاد على ادائها ، يأتي "سيدنا" الى السلط. نكون معه مع ثلة من رفاق السلاح. يقول الملك انه ورانيا يفكرون كثيرا بأوضاع المدارس والطلبة ، وانه سيواصل السعي من اجل تحسين حياة الطلاب والمدارس. يقول الكلام وهو يفتتح مدرسة الملك عبدالله الثاني للتميز في السلط بعد ان تعلن لفتته لاعفاء الطلبة. افكر كثيرا. فالقصة ليست قصة دنانير قليلة يرفعها الملك عن كل عائلة بل يريد ان يقول للناس انه يفكر بهم. يدخل كفرد وانسان طيب الى كل بيت في الاردن حين يعفي الطلبة. ربما يعود الطلبة الى بيوتهم فرحين. لا يفكرون بالخمسة دنانير او العشرة ، غير ان اسم الملك يتردد في كل بيت. هو كأب يمسح الغبار عن اردية الفقراء ، الماء على ايديهم من اجل الوضوء ، يدس العشرة دنانير في جيب الفقير ، ويقول له.. أنا معك ولا انساك.

ما يعرفه الملك ، على ارض الواقع ، من جولاته في بيوت الناس ، كثير ، بريده لا يخلو من رسائل يقرؤها بنفسه. كثيرا مايخرج بسيارته وحيدا في رمضان ، ليجول في العاصمة ، وغير العاصمة. في الاحياء الفقيرة. يقرأ الوجوه الفقيرة. وجوه الناس. فيها كل نبأ غائب ، وفيها كل تلخيص عام. احدى المرات في رمضان ، من تلك السنين التي خلت يضع الملك مبلغا كبيرا من المال عبر نافذة شباك لبيت من بيوت الايتام ، حتى اليوم لم تعرف السيدة من الذي اودع المبلغ. لكنها تعرف انها اشترت البيت الذي هي فيه ، ومضت تدعو في الغيب لصاحب المعروف الكبير ، الذي ابى ان تعرفه ، حتى يومنا ، لان الله يعرفه.

يقف الملك عند اطلالة الفجر ، على شرفة بيت الاردن ، عيناه تلمعان ، يتذكر مهنته كملك. ما اصعب هذه المهنة حين تشعر ان كل انسان في وطنك هو امانة في عنقك ، همه همك ، تعبه تعبك ، ليست مهنة كبقية المهن ، لكنها في الاردن لها مذاق اخر. مهنة ان تكون ابا لشعبك ، قبل ان تكون سيدا وحاكما ، آمر ناهيا. مهنة الاب الذي يحب اولاده ، اجمل المهن واصعبها.

حمى الله الاردن.. واسبغ عليه من عزه ورحمته.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   ماهر أبو طير   جريدة الدستور