يعيش المواطن بثلاثة وعشرين قرشا يوميا في أغلب الحالات ، وكثيرون لا يصدقون هذا الكلام ، لانهم لايحسبون ، وتحرق الحياة ايامهم في موت بطيء أشباح تسير على الأرض.

تعرفت على موظف حكومي في المخبز ، اشترى اربعة كيلوغرامات من الخبز ، فتبسمت ، حتى تفهم الظلال خلف ابتسامتي ، وانا الواقف لشراء كيلوغرام واحد من الخبز ، وقال لي لا تبتسم..عليك ان تشعر بالاسى لنا وعلينا ، لان اغلب موظفي الحكومة العاملين والمتقاعدين يعيشون برواتب دون الثلاثمئة والخمسين دينارا ، بل ان نصف البلد تعيش بمائتي دينار ومادون ، وشراء الخبز هو لاشباع البطون الخاوية ، وانا كل يوم اشتري اربعة كيلوغرامات ، وخدود اولادي نتاج للقمح الامريكي المستورد.

عند باب المخبز.. يضيف المواطن "ان راتبه ثلاثة مئة دينار وخمسة دنانير" يدفع منها مئة وعشرين دينارا ايجارا لمنزل في منطقة شعبية ، وثلاثين دينارا بدل ماء وكهرباء ، وثلاثين دينارا ثمن سجائر ، وثلاثين دينارا اجور مواصلات ، وثلاثين دينارا كلفة موبايلات له ولزوجته ، فيتبقى من الراتب مئة وعشرة دنانير ، يتم توزيعها على خمسة ابناء وزوج وزوجة ، عبر شراء خبز بعشرين دينارا شهريا ، وعشرة دنانير للسكر والشاي ، وعشرة دنانير كمتوسط لاسطوانة الغاز ، اذا بدأ بأسطوانة ثانية قبل نفاذ الشهر ، وعشرين دينارا في المتوسط لمجاملة في مناسبة او ثمن دواء لطبيب ، فيتبقى للعائلة عمليا من الراتب خمسين دينارا ، فأذا قسمت الخمسين على سبعة افراد كانت حصة الفرد سبعة دنانير شهريا ، اي ان حصة الفرد اليومية لا تتجاوز الثلاثة وعشرين قرشا يوميا للمواطن ، بقليل ، فماذا تكفي الثلاثة وعشرين قرشا ، هل هي للغذاء ام لشراء اللحوم والدجاج ، ام للخضروات ام لصحن الحمص على الافطار ، ام لشراء الملابس ومستلزمات المدارس ، ام لمنح مصروف المدارس ، ام لمؤونة الزيت ، ام للشتاء ، ام لرمضان ، ام للاعياد ، وغير ذلك من احتياجات.

سكت وغادر وقال "نحن موتى" يسيرون على الارض ، ولا تقل لي اترك التدخين او خفف المكالمات عبر الموبايلات ، لان الجواب سهل فأغلبية عائلة الاردن يدخلها مبلغ اقل من هذا شهريا لعائلات عددها في المتوسط بين خمسة وثلاثة افراد ، ومهما اختصرت هنا او هناك ، فأن النتيجة هي تحول حصة الفرد يوميا من ثلاثة وعشرين قرشا الى اربعين قرشا ، في احسن الحالات ، لتبقى ذات المشكلة ، فماذا نفعل في حرمان اولادنا ، وكيف سنعلمهم وكيف سنؤمن احتياجاتهم ، واذهب الى كل العائلات وستجد ان غالبية شعبك تعيش بهذه الطريقة ، فاقرأ لمعة الحزن في عيون اولادهم ولاتسأل عن سرها لان سرها واضح.

غادرني وانا حزين ومقهور ، فحسبته لراتبه بالغة الدقة ، وحين يصل مواطننا الى هكذا ظروف يأتي من يمد لسانه في وجهه ويقول له لاتنجب ولاتدخن ولاتتكلم ، بأعتبار ان هذه هي الحلول فقط ، ولايخبرك احد في رمضان وعلى مشارف العيد كيف يتدبر الناس امورهم بغير الاستدانة والسرقة ونمو الفساد في كل مكان ، والسياسات الاقتصادية العشوائية التي"ادت الى كل هذه الاعداد من "البطون الخاوية" في كل مكان.

... لو تسول بعضنا لكسب اكثر،،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   ماهر أبو طير   جريدة الدستور