في مطعم السمك الشهير ، وقبيل الغروب بقليل ، أجلس الى الخليج المائي ، وسط غابات لا ترى مثلها في حياتك ، تجلس وتتأمل الدنيا ، والفرق بين اسلام بلا مسلمين ، ومسلمين بلا اسلام ، الاوائل تراهم في الغرب ، والاواخر تراهم في عالمنا.

كنت قد عدت لتوي من جامعة "كارديف" في مقاطعة ويلز الجميلة والرائعة غرب لندن ، اجلس واتأمل مع رفاقي "الطفلة المريضة" في المطعم ، صوت صراخها مرتفع ، ولا احد ينظر اليها بعيني غاضبتين ، الكل يدير رأسه باتجاهها ويبتسم في وجه امها التي خرجت بها لتتنزه بها وتخفف عنها برغم مرضها العضال ، عند الخليج المائي ، والكل هنا لا يدعي ولا يمثل ، سلوك طبيعي جدا تجاه الاطفال الاصحاء والمرضى على حد سواء ، في هكذا عالم نشتمه ليل نهار ، وندعي اننا الافضل والاطهر،،.

القصة ليست قصة تأثر بالغرب ، فالتأثر بحد ذاته ليس عيبا ولا جريمة ، خصوصا ، حين تتأثر بالمعاملة والسلوك الاجتماعي تجاه قضايا عدة ، ومهما عددت عليهم من اخطاء ومثالب ، يبقى الغالب عليهم تلك "الروح الخلاقة" التي تحترم الانسان ، وتطبق العدالة في كثير من الظروف ، هي العدالة التي تجعل الانسان مؤمن الحقوق ، لا يعتدي عليه احد ، ولا يسرق حقوقه احد ، وهي العدالة التي تجعل الكفاءة تأخذ مكانها ، دون مكان للغو والعجن في الناس ، وسمعة الناس.

تدخل الى محطة القطارات للعودة ليلا من ويلز الى لندن. الرحلة تستمر ساعتين ونصفا ، حتى تصل الى وسط لندن ، بأم عينيك تشاهد كيف يأتي الويلزي او الانجليزي ، ليحمل عربة فيها طفلين لام مسلمة ترتدي المنديل ، ويساعدها ويوصل طفليها الى حيث القطار ، لا فضول ولا اسئلة ، من قبيل ما اسمك ولا ما هو دينك ، وهل انت ارهابية او غير ارهابية ، ومهما سمعنا من قصص عن اعتداءات عنصرية ، يبقى في هذا البلد مليونا مسلم ، يعيشون هربا من ظروف مأساوية في عالم العرب والمسلمين ، فيما ما زلنا نحن نتشاغل بشيخنا شيخ الازهر وتصريحاته حول النقاب بعد الف واربعمائة عام على ظهور الرسالة العظيمة ، ونسأل ايهما افضل السواك ام معجون الاسنان الطبي.

حين ترى في العالم العربي كل هذه الاعداد التي تصوم وتصلي ، لكن بعضها يسرق او يزني او يأكل حقوق الناس ، او يعتدي على الاخرين بذرائع مختلفة ، تعرف ان لدينا مسلمين وليس لدينا اسلام في كثير من افعالنا ، الاسلام ليس مجرد عبادات وبعثرة للكلمات الدينية في مجلس لاظهار مسحة من التدين الاجتماعي ، فالاسلام "روح خلاقة عظيمة" سرها المعاملة ، معاملة الاخرين بالحسنى ، العدل ، تأمين حقوق الاخرين ، وغير ذلك من سلوكيات ، باتت مفقودة اليوم ، لنكتفي من ديننا في الاغلب بالعبادات التي باتت جسدية دون روح منيرة ومستنيرة.

ما دام الكثيرون منا مسلمين بلا اسلام في كثير من تصرفاتنا ، فان الروح الغائبة ، روح العدالة والاحسان والمعاملة والحقوق الفردية والجماعية ، روح كرامة الافراد والجماعات والامم ، روح معاملة الطفل والمرأة وكبير السن ، وهي روح تتجلى في الاسلام الحقيقي ، وهي روح لا تراها في تصرفات الاكثرية ، وحين يأتي كلام الله حول خير امة اخرجت للناس ، يأتي كلاما مشروطا بشروط تؤدي الى الانسان وحالة من الفضيلة ، وحين لا نطبق الشروط ، نفقد الخصوصية في معنى خير امة اخرجت للناس.

اصل الى الفندق في لندن ، عند منتصف الليل ، واغفو سريعا واقول.. نحن غفاة ونحن سائرون ، ولا فرق بين اليقظة والمنام.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   ماهر أبو طير   جريدة الدستور