فرق كبير بين الكاتب الصحفي والمطرب ، الاول يقول ما يملي عليه ضميره ، والثاني يغني وفقا لما يريده الجمهور ، وقد يطلب منه سهارى الليل ، اعادة الوصلة فيعيدها مثنى وثلاث ورباع.

اسوأ ما في هذه المهنة ، هي عقلية الخمسينات ، التي ما زالت موجودة حتى يومنا هذا.اذا نقدت شخصا ، فلا يفكر في النقد.يفكر في من يكون خلفك اولا ، واذا لم تقبض دولارات من فتح فان بلا شك تقبض الدولارات من حماس ، برغم انك لا تقبض من الجهتين ، وتنتقد الجهتين ، وتصنف نفسك كاتبا مستقلا ، مستقلا قدر الامكان ، غير انها عقلية الخمسينات ، تلك العقلية التي تريد ان تستأجر القلم ، وتزوده بالحبر ، وان يعمل الكاتب "موظفا صغيرا" في أرشيف اي وزارة او تنظيم سري او علني ، وان يتم ادراج اسمه على الكشوفات السرية والعلنية.

لو قرأنا كل ماتمت كتابته من جانب الثوريين ضد اخرين ، بشأن قضايا فلسطين والعراق ، لاكتشفنا انهم يشتمون من لا يستحق الشتم ، بيانات القدح الحزبية والتنظيمية بين حماس وفتح ، تثبت ان الثانية على الاقل نسيت اسرائيل وتفرغت لشتم حماس ، وشتم اهالي غزة ، وشتم عرب ، لا يتفقون مع خطهم ، وهذه الايام ، ينسون المسجد الاقصى ، ويتفرغون لشتم من لا يستحق ان يتم شتمه ، لان البصيرة غابت ، والاولويات تغيرت ، وجرت عملية استبدال للخصوم ، والتهم معلبة وجاهزة ، يتم صرفها مثل الادوية في الصيدلة ، من كلمة خائن وعميل ، مرورا بأنك تقبض دولارات ايرانية ، برغم ان العملة الايرانية هي الريال ، وليس الدولار ، ولا يدفع الايرانيون الا عينيا ، هذه الايام ، بشوالات الفستق الشهير من مقاطعة رفسنجاني ، وصولا الى اتهامك انك مأجور.

كل هذا لانك تقول الصح والصحيح ، ولا تجامل احدا على حساب الواقع ، لا احد في العالم العربي يحتمل النقد ، من المذيعة الغاضبة ، مرورا بالوزير العصبي ، وصولا الى "ابوات" الثورة ، اينما وليت وجهك ، يضيق صدرك ، لان من حولنا وحوالينا ، لم يعتادوا على الرد بالحجة والمنطق ، اعتادوا على الكلام السفيه ، والسفاهة التي تفيض "قلة ادب" خلف السطور ، حتى انك تجد من يحمل دكتوراه في اللغة العربية يؤجر بلاغته لتنظيم ، او لمن يدفع اكثر ، المهم هو تأمين الخبز الساخن والفول على طعام الافطار ، لحفنة من الاطفال لا يعرفون ما الذي يفعله الاب ، من اجل عيشهم غير الكريم.

الكاتب الصحفي يعتاد على هكذا حملات منظمة وغير منظمة ، عبر البيانات والمقالات ورسائل التهديد عبر الايميلات المجهولة ، وهو يعرف ان هذا هو قدره ، لانهم يريدون قلمك ان يكون رخيصا ومؤجرا ، وان يزودوك ايضا بعلبة حبر مسموم ، وربما يعطوك قلم رصاص ويحتفظون بالمبراة في جيوبهم ، من اجل التحكم في الحرف والقلم والورقة البيضاء ايضا ، هي مفارقة حقا ، اننا لا نعرف حتى ادب الحوار ، ولا يعرفون سوى "التحرد" وقدح العيون الحمراء ، وكأن المرء سيعود عن خطه بسبب بلاغة لغوية في الرد ، تسقط مع اول قنبلة دخان اسرائيلية ، او بسبب تحريض هنا او هناك ، من اجل تحويلك الى مجرد قلم للايجار ، خصوصا ، ان البعض نجح في استئجار قلم هنا او هناك ، باعتباره شقة مفروشة يفعل فيها ما يشاء.

الكاتب الصحفي ليس مطربا ، ولا يقدم وصلات من الطرب وفقا لما يريده الساهرون،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   ماهر أبو طير   جريدة الدستور