يسقط المطر بغزارة. والشتاء ينقلني من عالم الى عالم اخر ، وفي تساقطه الاخير ، غفوت لالف عام ، ولم اصحُ ، وكأنه اعادني الى بدء المطر الاول في هذا الكون.

قصتي مع المطر ، قصة مؤثرة. يسقط المطر غزيرا.وفي قلبي ظمأ منذ الف عام.كلما سقط اقول هل من مزيد ، فيزيد المطر ، وقلبي ما زال في عز الظمأ ، اسأل المطر عن نزوله الاول ، وعن الشتوة الاولى قبل سبعة الاف عام ، فيقول انه لا يمتلك ذاكرة للسقوط الاول ، لكنه يتذكر الوجوه الاولى التي غسلها ذات فجر ، اتذكر كما كل مرة قبة المسجد الاقصى ، وقبة مسجد الصخرة ، تغتسلان ، واطفال البلدة القديمة في القدس ، يركضون ، من بيت عتيق الى بيت عتيق ، هنا اصوات لم ترحل ، ووجوه بقيت محفورة على الحجر ، تغتسل القبتان ، اغتسال النخل ذات مطر ، لان النخل يعيش ويبقى ، لا ينحني ابدا.

يسقط المطر. تأتيني "ساجدة" ذات الاحد عشر عاما ، بوجهها الجميل المُشرق ، كشمس اطلت من خلف الغيب لتوها.كانت تُحب المطر.ورحلت في يوم ممطر.هل تشعرين بالبرد ياساجدة؟ما هذا الذي بيدك..كأس من ماء المطر ، ام من ماء "بئر مدين" في الكرك الجنوبية ، ام انه ماء الزعفران والورد.لا ترد .... ترش الكأس على وجهي ، لعلي اصحو من اغفاءتي ، فاغفاءتي منذ الف عام او يزيد ، اصحو للحظة ، ها هنا وجوه اعرفها تحتفل بالمطر ، وجه المتنبي يكتب الشعر على مخطوطة من حجر ، ايهما اهم المُتنبي ام سيف الدولة ، فلولا المُتنبي لما كان سيف الدولة.تسكب "ساجدة" الماء البارد على وجهي لعلي اصحو من الهذيان ، الذي انتابني في الشتوة الاخيرة ، تبتسم وتقول الهذيان يأتي من الحرارة ، اما هذيان ابي فيأتي مع البرودة.رحلت مع المطر ، وتأتيني مع المطر ، واسألها .. هل تشعرين بالبرد؟ لا تجيب ، لكنك تلمح الشمس تشرق على محياها ، وكأنها وُلدت هنا.

يأتي الغيم الابيض ، كم احُبه ، لا احب الغيم الاسود ، ولا احب الغيم المُتقطع.احُب الحسم على بياض ، اما الغيم ، واما سماء صافية.اسمع صوت جدي ، قرب أسوار القدس ، يبحث عن حجر قديم.نسي ان يدقه كما يجب.جدي كان يدق الحجر.نصف حجارة القدس وعمان ، من صنع يديه ، قال لي... انقل لك السر ، من يميني الى يمينك ، انا ادق الحجر ، وانت تدق الحروف ، وما هو مشترك بيننا ، ان نقشنا واحد ، اعبث بذقنه كعادتي ، فقد كان للغرابة يُقبل يدي حين اقُبل يده..فيثير حسد الابناء والاحفاد.هل تشعر يا جدي بالبرد انت ايضا؟.لا يجيب ، ويمسح بيمينه الحجارة المُغغّبرة في القدس ، حجرا تلو حجر.يبحث عن حجر قديم نسي ان يُتم نقوشه.يجده بعد عناء ، ويقول..خذه يا صغيري ، عليك يا هذا ان تُتم النقش بيمينك انت؟اطأطى رأسي خجلا.واعيد السؤال على جدي...هل تشعر بالبرد ياجداه ، فيجيب...مثلنا "لم نُخلق لنهاب سخونة ، ولا.. لنخشى برودة"،،.

يسقط المطر ، حباته كبيرة ، وفي قلبي ظمأ منذ الف عام.في حالي الف رجل في رجل ، يتحدثون معا ، يفترشون بساطا اخضر في قلبي ، يتحدثون بصوت عال ، وانا اسقيهم بيميني.وجهي ارهقه طول السفر.شفتاي تشققتا من الظمأ.اسقي الف رجل في رجل ، غير انه غير مسموح لي ان اشرب.ايه..يا رباه ، كيف اسقيهم والماء البارد بقربتي ، وانا ممنوع من الشرب يا رباه؟.يأتي الجواب ....فيزيد المطر ، وانا ممنوع من شربه ، فأغفو لالف عام اخر ، والراية المفدية مزروعة في قلبي.الراية الخضراء ، التي ما تركتها ، ولا سلمتها ، ولا جعلتها شراعا لمراكب الغرباء واللصوص التي تجوب بحري...فقد نادى عليّ الغرباء مرارا وقالوا هات الراية وخذ مركبا من مراكبنا...لا والله ، لا افعلها ابدا ، وان امضيت عمري عطشان ابدا.

يذهب المطر ، فأصحو من اغفاءتي ، اصحو ، فأجد كل شيء على حاله ، أسأل الف رجل يفترشون بساطا اخضر في قلبي ، بهل شربوا من ماء المطر ، فيقولون انهم شربوا من يميني ماء المطر ، فأتركهم واذهب الى مغارة مسجد قبة الصخرة ، وأسأل الصخر بهل مر جدي الليلة هنا ، فيقول الصخر انه كان هنا وانت اليوم هنا ، فأسجد لالف عام مُقبل ، واسُبح ويُسبح المطر ، وتلمع القبتان ويرتوي بئر مدين الجنوبي ، من ماء المطر.

... اما النقش فقد اوشكت على اتمامه ، فيما دمعتي "العذبة" تسقط في البحر "المالح" فتُحيله عذبا ، ولو بعد حين.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   ماهر أبو طير   جريدة الدستور