كان تلك ساعة رمضانية ، والعائلة عجلونية ، التي اطرق بابها. ايتام يعيشون في بيت مستأجر في وسط البلد ، في عمان ، والاب رحل بمرض ، وترك خلفه عائلة كبيرة.

نالت تلك العائلة حكاية من حكايات "الدستور" الرمضانية. المسافر الاردني الكريم قرأ الحكاية وهو على متن الطائرة. ما ان وصل الى حيث يقيم حيث اتصل يريد عنوان العائلة اعطيته يومها عنوان العائلة. الرجل بعد شهور بنى للعائلة بيتا في عمان ، وانتقلوا اليه بعد الانتهاء من البناء. ليلة القدر شملت بكرم الله هذه العائلة. لم يتركهم الرجل. يتفقد احوالهم كل فترة. آخر ما عرفته انه ارسل الابنة الكبرى لتعلم الطيران. على حسابه. تسمع هذه القصة وتتذكر ان الدنيا ما زال فيها خير كبير ، وانك لو رأيت الرجل في الشارع لما عرفت ماذا يفعل لربه. ما خلف الصورة اهم من ظاهرها.

آخر يقول لي انه كلما تضايق في هذه الدنيا ، ماليا ، راح واستدان وتصدق،،. سألته كيف تستدين وتتصدق؟. قال لي.. قصة حدثت معي. في ليلة باردة في عمان وكان قد جاء للتو من كندا اخبره صديقه عن عائلة في الشونة الشمالية محتاجة وفقيرة ، وسقف بيتهم على وشك السقوط ، ونصحه بالذهاب لزيارة البيت. صديقنا قال والله انا مديون بمائتي الف دينار ، وكل ما معي خمسمائة دينار مصاريف اقامتي القصيرة في عمان. على الرغم من ذلك يقول ذهبت للعائلة وكان وضعهم مريعا. اعطيتهم كل المال الذي في يدي. كل ما املك فعليا. وعدت الى عمان مهموما فوق همومي؟ ذات الليلة اتصل بي شريك سابق في كندا أكل حقوقي وقرر في صحوة ضمير ان يعيد الي خمسين الف دولار. الخمسمائة دينار عادت خمسين الف دولار. العقدة الكبيرة تم فكها بلفتة صغيرة. يقول لي انه ما زال ابنا لعائلة الشونة يتكفلهم ولا ينساهم حتى يومنا هذا. في الدنيا خير كبير ، وان شعرنا انه يقل ويتراجع ، وخلف وجوه الناس حكايات ـ تعرفونها ولا تعرفونها.

شخص اخر يقول لي واعرفه شخصيا انه معتاد كل ليلة على المعاصي. لا يترك معصية الا ويفعلها ، ويقوم في اليوم التالي ليتصدق خجلا من الله واعترافا منه بالذنب. يقول لي انه واصل ذات القصة معاصي الليل مع مكارم النهار. حتى ذهب ذات يوم الى حي من احياء جرش يريد ان يعطي مالا لعائلة ايتام. دخل البيت اعطى مائة دينار لكل طفل في البيت. الطفل الصغير اليتيم رفض ان يأخذ المال برغم كل المحاولات وهو يرجوه ان يأخذ المال. حين اصر على الرفض سأله عن السبب. الطفل اجابه بكل براءة الدنيا "عمو وجهك معتم واسود" قصد الطفل ان وجه الرجل غير مشرق. يقول غابت الدنيا في عيني. فالليلة السابقة انفقت فيها مالا كثيرا على الحرام. والطفل ربما حال لسان السماء.ربما بركة الصدقة ارتدت عليه في تلك اللحظة. اقشعر بدنه وانهمرت دموعه وقال للطفل لم اجد من يوقفني سواك. تاب الرجل وتوقف ، وها هو في عمان على ذات خطاه في الخير. ولا يترك فرضا ولا صلاة. الصدقة هنا عالجت قسوة القلب. ورحمة الله ابت له ان يبقى على ذات الخط. في الدنيا خير كبير. لكننا لا نقرأه خلف الوجوه. احكامنا سريعة على بعضنا.

كلما ضاقت بك الدنيا تذكر انسانا ظلمته. او قصرت معه. تذكر امك واباك. اختك واخاك. تذكر معصية فعلتها ولم تعد عنها. تذكر حقا لم تؤده الى غيرك. كلما ضاقت بك الدنيا ابحث عن رأس طفل يتيم وأمسح بيدك عليه. ابحث عن مهموم او مغموم ، وفرج كربه. كلما ضاقت بك الدنيا. تذكر ان العرش بلا ابواب. وان الله يستقبل العائدين. لكن عليك ان تقوم من مكانك. لا ان تنتظر من يحملك الى المكان الجديد.

في قلوبنا نور ، فلا تضيعوه يوما بعد يوم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   ماهر أبو طير   جريدة الدستور