يأخذني كتاب الامير غازي بن محمد وقتا طويلا للقراءة ، فلا يُمكن ان تقرأ هكذا كتب بسرعة ، وتعود مرات ومرات الى ذات الجملة لتفهم المعنى ، جيداً.
كتاب "الحُب في القرآن الكريم" وثيقة هامة ، سر اهميتها انها تُشرعن لعلاقة الحب مع الله. هذه اهم استخلاصات الكتاب. في تاريخ الذين كتبوا حول علاقة العبودية ومراتبها ، التي تصل الى درجات عليا ، فيتحول المريد الى مراد ، والحبيب الى محبوب ، الوان كثيرة. بعضها يخالف القاعدة الشرعية ، وبعضها يقترب من حدود الشطحات ، وبعضها الاخر ، يُوصلك من حيث لا تعلم الى حد خطير مرفوض ، فيتحول حبك لله ، الى علاقة مناددة ، وكأن الحب بين طرفين متساويين.
اهمية كتاب الامير غازي بن محمد ، تعود الى كونه ذهب واستنبط القاعدة الشرعية ، وأطر العلاقة ، في اطارها الشرعي ، دون ان ان يهدم حق الانسان في الزهد والتصوف وحب الله. هو بشكل عملي اعاد انتاج القيمة. اي قيمة الحب. وردها الى مسلكها الشرعي ، وافرج عن ينابيع اسرارها من القرآن الكريم ، وكأنه يقول ان الحد الفاصل بين حب الله ، والحب في الله ، هو الشرع ، وعدم مخالفة الباطن للظاهر ، وهو تأصيل مهم في هكذا ابحاث ودراسات ، خصوصا ، اننا قرأنا مئات الكتب والابحاث ، لمن تجاوزوا دون ان يعلمون. الحد الفاصل حساس جدا ، ولا يحق لمخلوق ، مهما بلغت درجة حبه لله ، ان يقع من حيث لا يعلم في اطار الشرك او تجاوز العبودية ، او التذكير بكونه مجرد مخلوق يحب خالقه ، ويناجيه.
الالتباسات التاريخية سببها سوء التفسيرات من جهة ، ومرور المخالفات دون وضع حد لها. حين يقول لك احدهم انه عاشق لله ، ويقول لك ان قلبه حدثه عن ربه مباشرة. تتوقف طويلا عند المغزى. مغزى المخالفة الشكلية او الباطنية في الظن والاعتقاد. ما يقوله الامير غازي تحديدا انه الحب له اصل قرآني ، والتذكير بالاصل القرآني يمنع الاجتهادات التي تقود للضلالات ، والشطحات ، يُمنة وشمالا ، وهي شطحات طالما جرت خلفها عشرات الالاف ، وهم يظنون بأمرهم خيرا ، وهم ليس كذلك. القرب من الله له قواعد واسس وتعريفات ، لكنها وان وصلت درجة الحب ، فلا يجوز ان تقوم على اساس المخالفة ، او المناددة ، من حيث لا يعلم المحب.
الاسلام جسد وروح وعقل وقلب. الجسد هو العبادات ، والروح هي النور الذي يتجلى جراء العبادات والقرب من الله ، والعقل هو الدنيا ، والقلب هو دار الاخرة. مع القرب تهب نفحات كثيرة على من يتقرب في ليله ونهاره. غير ان المطابقة بين الشرع والذوق امر مهم. المطابقة بين الشرع وما يستجد من مدارات امر مهم. المطابقة بين الشرع والينابيع الروحية ، هي المنجي الوحيد ، من الهلاك. ما هو محزن اليوم اننا اما نجد اناس يتعبدون في ليلهم ونهارهم ، غير ان ارواحهم جافة. وجوههم مسلوبة النور ، لانهم يتعبدون على حرف مع الله. ويأخذهم الغرور في الطاعة ، باعتبارهم اتموا الفروض ، ولم يبق الا الوصول الى الجنة ، فيما انين العاصي اقرب الى الله من ثقة الطائع في حالات. فريق اخر يُفرط في التذوق الروحي ، على حساب الاسس الشرعية ، فيجد نفسه بعيدا عن شاطئ السلامة ، هائم في بحره الذي جذبه. التوسط هو الحل هنا. الاسس الشرعية مع صفاء الروح ومطابقة كل شيء على المعيار الشرعي ، هو المُنجي حقا.
كتاب الامير "انارة" في بحر الظلمات. وهو يستحق القراءة ، خصوصا ، اذا كان القارئ قادرا على المقارنات بين ماقيل في حب الله ، عبر مئات السنين ، وبين هذه المداخلة الهامة ، التي لا تنفي حب الله ، ولكنها تؤكدها وتؤسسها على اساس شرعي وقرآني ، ورباني ايضا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة ماهر أبو طير جريدة الدستور