قبيل الفجر بقليل ، عم الصراخ في قرية مقدسية ، لان اهل القرية شاهدوا جنود الاحتلال يخرجون جثة رجل مات قبل يوم فقط ، من المقبرة.

جنود الاحتلال غادروا بسرعة الموقع ، بعد سماعهم لصراخ الاهالي ، وحين توجه اهل القرية الى المقبرة ، اكتشفوا ان جثة الراحل العجوز ، وهو من ملاك الاراضي ، في المنطقة ، تم اخراجها ، وتم اخراج يده اليمنى ، وعلى اصابعه اثار تبصيم بالحبر ، مما اثار ذهول اهل القرية ، عن سبب قيام جنود الاحتلال بهذه الفعلة الغريبة.

لم يمر وقت قصير حتى تكشف السبب ، اذ ان اكثر من خمسين دونماً في مشارف القرية ، تم نقل ملكيتها الى مشتر يهودي روسي ، على اساس ان العجوز الراحل باعها له قبيل رحيله ، والمثير في هذا الصدد ان ابناء الراحل حين احتجوا واعترضوا ، اخرج لهم المحامي وكيل المشتري المزور سند بيع وشراء رسمي ، عليه بصمة الأب ، وتاريخ مؤرخ قبيل وفاته بيومين فقط ، وبرغم كل المداخلات لاثبات واقعة نبش القبر ، وتبصيم الميت ، إلا أن الارض تمت سرقتها جهارا نهارا.

الواقعة على غرابتها تثبت كم ان اسرائيل مستعدة لفعل اي شيء من اجل سرقة اراضي القدس ، سواء عبر الاغراءات المباشرة ، او غير المباشرة ، او عبر سرقتها بمخططات الحدائق والشوارع ، ووسائل اخرى ، وعلى الرغم من سقوط البعض في شراك الاحتلال والمال الحرام ، الذي يجلب غضب رب العالمين في الدنيا والاخرة ، الا ان هناك كثرة ترفض بيع شبر واحد للاحتلال ، لانها تعرف انها فوق الخيانة تحجز مقعدها في جهنم.

كنت ذات مرة برفقة وفد نيابي يرأسه عبدالهادي المجالي رئيس مجلس النواب ، الذي زار الشهيد ياسر عرفات في رام الله ، وزار فيصل الحسيني في بيت الشرق في القدس ، عام تسعة وتسعين ، حين استمعنا الى مقدسية في البلدة القديمة ، تقول للوفد ان المستوطنين اليهود دفعوا لها خمسة عشر مليون دولار مقابل بيع غرفتين في البلدة القديمة ، وحين رفضت على فقرها ووحدتها ، نّكل بها اليهود ، يوميا ، بكل الوسائل صباحا مساء ، من ضرب والقاء للقاذورات ، فلم تبع.

معظم المال العربي يتم انفاقه على الحرام ، وعلى المحظيات والجواري ، والسهر في مرابع اوروبا ، وعلى كل شيء ، لكنك لاتجد قرشا يتم انفاقه على القدس ، ومن فيها ، وكأن اثرياء العرب يقولون دون خجل لاهل القدس اذهبوا وربكم فقاتلوا ، ولعل السؤال المفرود ..اذا كان العرب حقا يريدون للقدس ان تبقى عربية ، فلماذا يتركون اهلها تحت سيف البطالة والجوع والضرائب ومصادرة الاراضي ، وهدم البيوت بسبب غرامات ، ينثرهاعربي في ليلةعلى صديقاته.حتى الميت يتم توريطه في الخيانة ، دون ان يعلم ، فلا غرابة ، لان الاحياء ، ايضا ، يتورطون في الخيانات وهم يعلمون.

بين الجثمان الميت ، والجثمان الحي ، تأتي القدس لتتهم عربها قبل عدوها.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   ماهر أبو طير   جريدة الدستور