"سر المهنة" في قناة الجزيرة سر باهر ، وهي تتقنه بذكاء ، فترفع حميتك وغضبك ، لكنها لاتنسى ان تدس"الاسرائيلي" في فراشك البارد ، وسط هذه المصائب.
"الجزيرة" تحظى بجمهور كبير ، وتلعب على العواطف الحساسة ، وتمارس سحرها بحرفية بالغة ، تجعلك تجلس امامها لساعات طويلة ، يمر عبرها "يهود وسيمون" ينطقون العربية ببلاغة ، يحّدثونك عن "كرامة اسرائيل" في الدفاع عن نفسها ، والقناة جعلت قضية فلسطين ، مجرد خلاف في الرأي ، فيصير الاحتلال ، صاحب وجهة نظر علينا ان نتوقف عندها.
لاتمانع "الجزيرة" بشأن حدوث مشادات لغوية بين المقدم والاسرائيلي لمزيد من "البهارات" على النشرة ، غير ان النتيجة هي دخول "الاسرائيلي" الى كل بيت ، وأسطرة الاسرائيلي ، ونقله من الانموذج غير البشري ، اي القاتل ، الى الانموذج البشري المستضعف ، ويتوجب سماع رأيه ، وفوق هذا ترفع معنويات الناس وغضبهم الى السماء ، ثم تأخذهم الى وديان الارض السابعة ، فتحطمهم ، بعد غياب موجة الغضب والانفعال ، وهو سر من اسرار طبختها.
ليس من حق "الجزيرة" التذاكي على الناس ، وليس من حقها فرض اسرائيليين علينا ، لشرح وجهة نظرهم ، كما في قصة سفن الحرية الاخيرة ، وليس من حقها ايضا ان تتغطى بالصدقية والسقف العالي في المعالجات ، لتمرر عبر ذلك التطبيع بأبشع صوره مع اسرائيل ، فيكون الاسرائيلي شريكا في فضاء الاعلام العربي ، وكأن للقاتل والمحتل ، مساحة مشروعة ، وكأن للمقتول ترف الاستماع الى القاتل الذي تتورد خدوده من ماء فلسطين وعسلها وسمنها.
أفك الاعلام العربي وسحره لايقفان عند هذه الحدود ، فمن الترجمات للصحافة الاسرائيلية ، تحت عنوان زائف هو "اعرف عدوك" وكأننا لانعرفه بعد ، مرورا بإثارة فتن الطائفية والمذهبية والاقليمية والقومية ، وتفتيت الوجدان العربي وبث الكراهية ، وصولا الى قنوات الفرفشة والغناء والرقص ونهاية بقنوات التدين التي تشغلك بفقه الانكحة والحيض والنفاس ، وتفسيرالاحلام والشعوذة ، تعرف ان الافك كبير ، وكبير جدا.
هل سمعتم يوماعن قناة اسرائيلية سمحت لرمز مقاوم ان يخرج على الهواء لشرح عدالة قضية فلسطين ، وهل سمعتم يوما عن قناة غربية واحدة ، سمحت لرموز التصدي العربي والاسلامي بالخروج لشرح قضية فلسطين ، فلماذا ندعي نحن اننا نتعلم التعددية من الغرب ، فيما هم لايمارسونها الا ضمن مايخدم خطهم السياسي ؟؟ وبأي حق يحملون "الاسرائيلي" الى بيوتنا ، وكيف تستقيم التغطية الوطنية الحرة مع ادخال العدو وسطها ، وشرعنة ظهوره ورؤيته؟؟؟
الاعلام العربي يخلع ملابسه ، قطعة قطعة ، باعتبار ذلك حرية وتعددية ، والاعلام الاسرائيلي والغربي ، يميل الى الاحتشام ، لانه يعرف ألا تعددية ولا حرية بشأن خط سياسي تتبناه ولاتحيد عنه.
ليس من حق "الجزيرة" تقديم الرواية الاسرائيلية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة ماهر أبو طير جريدة الدستور