كان متزوجا للتو.لم يمض على زواجه ثلاثة اسابيع.ولا مال في جيبه سوى ربع دينار ، وضعها قرب رأسه ليشتري خبزاً في اليوم التالي بعشرة قروش ، وليذهب الى عمله بخمسة عشر قرشاً ، سبعة قروش للذهاب وسبعة قروش للاياب.
يصحو صباحاً.تطلب منه العروس ان يذهب لشراء الخبز لاعداد الافطار ، والمخبز على بعد امتار من البيت.بعد ان يرتدي ملابس الخروج.يسمع صوت جرس المنزل.يخرج ليفتح الباب واذا بعجوز واقفة في الباب تسأله صدقة لوجه الله.
لا يوجد معه في منزله سوى ربع دينار فقط ، وقد خرج من الزواج مديوناً ، غارقاً في الكمبيالات والشيكات.
لم يستطع ان يرد العجوز.ذهب الى حيث غرفته ، وحمل الربع دينار ، ومنحه للسيدة. زوجته جنت حين عرفت ما فعل.كيف تعطي مالا وانت لا مال معك.كيف سنفطر اليوم.نشبت بينهما مشادة حادة في الصباح.
كانت اولى المشادات بعد ايام العسل القصيرة.وخرج غاضباً من المنزل.
حين وصل الى موقع الحافلة ، تذكر ان لا سبعة قروش معه لتحمله الى عمله.صعد الى الحافلة وقرر ان يعترف لكونترول الباص ان لا مال عنده بسبب ظرف خاص ، لعله لا يأخذ الاجرة.
يقسم بالله صاحبنا هذا ان الكونترول مر من عنده مرات ومرات ولم يطلب منه الاجرة ، وكأنه لم يره ، حتى وصل الى موقع عمله.
كان مندوباً للمبيعات.صعد في سيارة الشركة وخرج للعمل ، وهو يحصل على راتب شهري ونسبة تصل الى عشرة بالمائة.ذلك اليوم على غير كل الايام باع بضاعة بطريقة غير طبيعية.
يقول: لم يكن وضعا طبيعياً ، وكأن اليوم تحول الى شهر ، ومن كان يشتري بعشرين ديناراً اشترى بمائة.
عاد الى شركته ، وحساب نسبته يصفى بشكل يومي.بعد الحساب تبين انه باع بألفين واربعمائة دينار.تم صرف نسبته وكانت عشرة بالمائة ، اي مائتين واربعين ديناراً ، وهي نسبة تصرف في يوم واحد لاول مرة في تاريخ الشركة.
لوهلة تبّسم هو.ها هي ارباح غير طبيعية في يوم واحد.سأل نفسه هل هذه هي العشرة اضعاف التي قيلت عن الصدقة ، ام مائة ضعف ام ماذا.
لم يجد جواباً وخرج يريد العودة الى الزوجة التي قرعته على صدقة الصباح.
قبل ان يخرج من الباب الرئيسي طلب منه محاسب الشركة ان يعود.وضع يده على قلبه خوفا.عاد. قال له المحاسب: لك عشرة دنانير ايضا من حساب اول امس ، حيث اخطأنا في الحساب.
ها هو المبلغ يرتفع من مائتين واربعين ديناراً الى مائتين وخمسين ديناراً.
ربع دينار.خمسة وعشرون قرشا.كل قرش عاد ديناراً.آثر غيره على نفسه ، رغم انه محتاج ، ولم يتذرع بقلة المال لفعل الخير.
قليل المال يساوي الكثير عند الله ، والاختبار هو بقليل مالك وليس بكثيره.حتى لا يبقى بعضنا يتذرع بقصر يده.
صاحبنا هذا قدم كل ما يملك لسائلة طرقت بابه ، صباحا ، فانظر ماذا حاز في ذات اليوم ، من مضاعفة لصدقته ، اضعاف اضعاف.
قال الله تعالى: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة". وسبب نزول الاية الكريمة: أن رجلاً أتى النبي فبعث إلى نسائه ليقدمن له شيئا فقلن: "ما معنا إلا الماء" - نساء الرسول ليس في بيوتهن سوى الماء - ،، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يضم أو يضيف هذا" فقال رجل من الأنصار: أنا.
فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله. فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني ، فقال: هيّئي طعامك واصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء ، فهيأت طعامها ، وأصبحت سراجها ونومت صبيانها.
ثم قامت وكأنها تصلح سراجها فأطفأته ، فجعلا يريانه أنهما يأكلان - اي المضيف والمضيفة تظاهرا بالاكل في العتمة مع الضيف وهما لا يأكلان لقلة الطعام وايثارهما للضيف - فباتا طاويين ، اي جائعين هما واولادهما.
فلما أصبح ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ضحك الله" وضحك هنا بمعنى رضي وليس كضحك البشر ، أو "عجب من فعالكما" ، فأنزل الله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).
فعل الخير نور لك في قلبك وعلى وجهك.حتى لو كان مالك قليلا جداً.ولا تقف امام الله بانتظار رد الصدقة اليك اضعاف ، فهذه نية تفسد العمل ، وكأنك تحاسب الله اولا بأول.
علاقتك مع الله ، ليست علاقة مع مصرف يوزع الارباح النقدية.الله يكرمك في دينك وفي آخرتك وفي ذريتك وصحتك وسترك ، وبالطريقة التي يريدها هو لا التي تريدها انت.
قال تعالى "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة ماهر أبو طير جريدة الدستور