يعيش الصحفيون ، حكايات لا تروى في اغلبها ، ومن هذه الحكايات ، ما هو مؤلم ، وما هو مثير للضحك حد الوقوع ارضاً.
زميل صحفي سافر معنا الى بلد عربي لتغطية القمة العربية ، لاول مرة في حياته ، والزميل احضر حقيبته السمينة بشكل لافت للانتباه الى المطار ، وقرر فجأة ان يضع جهاز اللاب توب ، داخل الحقيبة الكبرى ، ولما نصحناه الا يفعل ذلك ، اصر اصراراً غريباً ، فوضع الجهاز في بطن حقيبة ، حشر فيها ملابس تكفي لستة صحفيين ، دون ان نفهم سر نقل خزانته الى الحقيبة،.
كانت الكارثة اننا وصلنا الى البلد العربي ، وبقي لساعة ينتظر حقيبته ، واكتشف لاحقاً ان الحقيبة ضائعة ، وانه بلا جهاز كومبيوتر وبلا ملابس ولا اوراق ، كان وجهه احمر وهو يتصل بزوجته في عمان من اجل ان ترسل له ما تبقى في خزانته من ملابس ، مع صحافي اخر سيأتي ، وهي تخبره انه لم يترك شيئاً الا وحمله معه ، وكان الحل ليلتها ان نتبرع له بملابس من شتى الاحتياجات،،.
في قصة اخرى ، كاد صحفي يتم اعتقاله لالف عام ، وفي بلد عربي ، تم تسليمه كرت من جزءين ، للدخول وللخروج ، وبحيث يسلم جزء الدخول بعد تعبئة البيانات ، عند الحدود ويسلم جزء الخروج عند مغادرته ، وفي الفندق الذي نزلنا به ، لم يتنبه الزميل الى انه قلب جزء الخروج على وجهه الثاني ، وكتب عليه بالقلم ، مجرياً عملية حسابية حسب عبرها ما لديه من دولارات بعملة ذلك البلد.
عند الخروج ، جئت ركضاً على صوت زعيق موظف امن الحدود ، ذي الشنب الرهيب ، واذ به يصرخ في وجه الزميل ، ويهدده بالقتل والسحل والاعتقال ، لانه حين سلمه جزء الخروج اراد الضابط ختمه على الخلف ، فرأى العملية الحسابية ، واعتبر بكل سذاجة ان هذه الارقام والكتابة فيها اهانة لهيبة دولته ، ولم نترك كلمة رجاء وتوسل الا وقلناها حتى تم تركه بعد ثلاث ساعات من الاهانات والتحقير ، ودون ان نفهم حتى اليوم ، كيف يهين خطأ غير مقصود بلدا عربيا بأكمله.
في قصة اخرى ، سافرنا ضمن وفد الى عاصمة غربية ، ومعنا زميل الزمته خالته بأخذ "صاج الشراك" الكهربائي ، وهو الصاج الذي يتم استخدامه لخبز الشراك ، وكان ان تهرَّب بكل الطرق الا ان خالته اصرت على اخذه ليعطيه لابنها المقيم في ذات العاصمة ، والصاج يعمل على الكهرباء وليس الحطب.
توقفنا ، كترانزيت في مطار فيينا النمساوي لثلاث ساعات ، حتى نغادر لاحقاً الى العاصمة الاخرى ، وفي مطار فيينا نودي على اسم الزميل المحترم ، فذهب وذهبنا معه. كنا ثلاثة. واذ بالجمارك النمساوية تفتح حقيبته امامه وتريد ان تفهم ما هذا الجهاز ، اي الصاج ، الموجود في حقيبته ، وفوق ذلك معه "دخان معسل" رائحته اغرقت المطار ، وكان الجميع ينظر اليه بارتياب ، باعتبار المعسل نوعا من الحشيش.
زميلنا لا يجيد اي لغة ، سوى لغة العيون ، وامضى ساعة وهو يحاول افهام النمساوي العنيد ان هذا ليس جهازاً الكترونياً ، وليس خطراً امنياً ، وانه لخبز الشراك ، وصار يمثل بكلتا يديه كيف يتم عجن الشراك ، ثم فرده بيديه ، فوق الصاج ، فيما قصة المعسل والشك فيها انها نوع من المخدرات ، كانت قصة اخرى ، ولم ينجُ من مصيبته الا بفعل عراقي من البصرة ، يحمل الجنسية النمساوية ويعمل في امن المطار ، حل المشكلة بتأكيد كلام الزميل الذي لعن وشتم آباء واجداد خالته الاولى على هذا الموقف ، الذي زاد من طينه ضحك الزملاء عليه.
حياة الصحفيين ، حياة مثيرة. متعبة. لذيذة. في مهنة تفتح لك كل الابواب ، وتحملك الى كل مكان ، وتجعلك تعرف اكثر من غيرك ، وتشقى ايضاً قبل غيرك ، لانك تكبر فيها قبل وقتك ، من كثرة ما ترى وتسمع وتناقش.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة ماهر أبو طير جريدة الدستور