الدَّين يثقله كمُذنبٍ يُسأَلُ عن خطاياه يوم الدَّينونة ، حاول مراراً الخلاص منه لكنْ لم يستطع فكاكاً ؛ كان كابوساً يجثم على روحه ، في الواقع لقد فشل في أكثر من عملٍ اكتراه ، دائماً النتيجة واحدةٌ وهي الطرد والتهديد
|
كان في قرارة نفسه لا يأبه بفقره وجوعه اللاذع ، فقد اعتاده منذ زمنٍ لا يذكر متى عهده به لكنَّه بعيدٌ ، وإنَّما إشفاقه وسعيه الدائب ليسدَّ رمق عياله الذين التصقت بطونهم بظهورهم ، واقتاتوا التراب ، ومن أجل أن يستر أجسادهم التي سئمت من الأسمال الـمُمزَّقة ، ولم تعد أمُّهم بقادرةٍ على أن ترقأَ لهم ثقوبـها لاهترائها ..
كثيرون يظنُّونه لا يحبُّ العمل ، أبداً لقد عركته الحياة منذ نعومة أظفاره ، فحين أبصر النور أدرك الحقيقة الـمُرَّة : أبوه رجلٌ فقيرٌ جداً ، لذلك خرج للعمل باكراً ، وكم كان صلداً لا يشكو ولا يتذمَّر ، والمشكلة ليست فيه بل في أرباب العمل الذين عمل عندهم ، فكانوا لا يكتفون باستغلاله في ساعاتٍ طويلةٍ مضنيةٍ مقابل أجرٍ زهيدٍ ، بل سعوا لاستعباده إلى أقصى حدٍّ ممكنٍ ، ونفسه دوماً أبيَّةٌ ترفض الذلَّ والهوان ، فأبوه رحمه الله كان يكرِّر على مسامعه :
" لا تركن إلى ذلٍّ ولو جاءك منه قناطيرُ مقنطرةٍ من الذَّهب " .
وقد ظلَّ خيط الكرامة والإباء هذا يشحذ همَّته ، ويأبى عليه الرضوخ والانصياع لهؤلاء الأوغاد ، وآخر مرَّةٍ عمل فيها قام بضرب ربِّ العمل لأنَّه قال له في احتقارٍ : " انتبه يا حمار إلى شغلك جيداًٍ " ... فاستشاط غضباً غصباً عنه ، ولم ينبس بكلمةٍ ، وإنَّما كال لأنفه المفلطح القبيح لكمةً أسالتِ الدِّماء منه ، ولقوَّة قبضته أطاحه أرضاً ، ورمى بجسده عليه ، ولولا أولاد الحلال لارتكب جريمة قتلٍ ، وزأر ربُّ العمل في وجهه يطرده ، وحين طالبه بأجرة الأيام العشرة السابقة هدَّده بالسِّجن على فعلته تلك ، فخرج صفر اليدين | |
سار على غير هدىً ، لا يريد العودة إلى داره كيلا يرى الأفواه الجائعة ، وكان يجترُّ في أسىً وحش السَّغب ينهش أعماقه ، وحملته قدماه إلى واجهة محلٍّ يزدان بأصناف الطعام والحلويات الشهية ، تلك الحلوى التي نسي طعمها من أيام كان وليداً ، هذا لو كان قد ذاقها آنذاك ..
سال لعابه ، وخطر على باله أولاده المساكين ، فأزمع أمراً ذي حدَّين ، وبان الإصرار على وجهه البائس ، وغالب تردُّده ؛ وخطا إلى داخل المحلَِّ ، وقصد الرُّجل السَّمين كخروف العيد ، وكانت أناقته المبتذلة تذكِّره بكلِّ أرباب العمل السَّابقين ، وقد كان كالعادة جالساً وراء صندوق الحساب ذي الرنين المعدني ، ويدخِّن النارجيلة في صلفٍ ، يبدو وكأنه يرسم حوله أرستقراطيةً كاذبةً ، وهو ينظر للموجودات في تَعَالٍ وعنجهيَّةٍ ، فسأله بهدوءٍ صارمٍ :
" ألا تحتاجون عاملاً ؟ "
نظر له شَزَراً ، ثمَّ قال : " عندي خدمٌ كفايةٌ " ..
ابتلع الإهانة الخفية بقوله ( خدمٌ ) ، ودسَّ يده في جيب معطفه البالي كأطلال الديار المتهدمة والتي كان مدرِّس اللغة العربية يخبرهم عنها ، ورفع يده داخل الجيب بما يُوحي أنَّه يحمل سلاحاً من طراز المسدَّس ، وقال بغلٍّ جارفٍ :
" كلُّكم أنذالٌ سفلةٌ "
نظر إليه السمين مبهوتاً لجرأته ؛ فواصل :
" ثق تماماً أنَّ في جيبي مسدَّسٌ جاهزٌ ، وأيَّة حركةٍ مريبةٍ يكون نصيبك الموت أو عاهةً مستديمةً " .
حدَّجه السمين بنظرةٍ خاويةٍ من كل معنىً ، وكأنَّه لم يدرك بعد ماذا هناك ؟ فقال له :
" ضع ما في صندوقك من نقودٍ في كيسٍ وناولني إياه دون جلبةٍ ، إن كنت تفضِّل أن ترى شمس الصباح غداً " ..
عندها أدرك السمين جدية التهديد ، وبانت في عينيه ملامح الذعر والخوف ، وقال بصوتٍ مرتعدٍ كشف زيف أرستقراطيته المزعومة : " ولكن ْ " ..
قاطعه بشراسةٍ وضراوةٍ : " لسوء حظك وحسن حظي ، أنَّ مكتبك بعيدٌ عن الأعين قليلاً ، ولن يراك أحدٌ فيغيثك ، واعلم أنَّني لا أملك ما أخسره .." .
حينها انصاع السمين وجلاً ، وبسرعة الـمَوْتُورِ جمع المال من الصندوق في كيسٍ وأعطاه له بيدٍ مرتعشةٍ ، فقال له :
" كلُّكم كلابٌ تستحقُّون ألف قتلةٍ " .
تفصَّد العرق على وجه السمين وهو يراه يـحمل المال باليد الطليقة ، ثمَّ انفتل عائداً ، فبادر السمين لإخراج مسدَّسٍ من درج مكتبه وصاح بغلظةٍ لم تكن فيه وهو في موقع الـمُهدَّد :
" قفْ مكانك و إلاَّ أطلقت عليك النَّار " .
لم يستدر بل استمرَّ في مشيه الوئيد ، وهو غارقٌ في فرحةٍ عارمةٍ لأنَّه سيطعم أولاده بعد طول أمدٍ ، لقد جلب لهم المركب الذي سينتشلهم من بحر الجوع . وكرَّر النِّداء متوَّعداً . ورغم أنَّه هذه المرَّة سمعه لكنَّه لم يأبه به ، فقد اعتقده يجدِّف ليخيفه ، فأصحاب المحال التجارية في بلده لا يملكون أسلحةً ، وسارع خطواته ، وفجأةً لعلع صوتٌ مُدوٍّ أصمَّ أُذنيه ، وأحسَّ بشيءٍ ما يمزِّق ظهره ، وهوى مذهولاً منكفئاً على وجهه ، والغريب أنَّه لم يشعر بألمٍ كما كانوا يصوِّرون المصابين بطلقٍ ناريٍّ .
حانت منه نظرةٌ إلى مشهد دمائه المتدفقة في غزارة المطر في الشتاء العاصف ، وهاله الثقب في صدره وقد عجزت يده عن إغلاقه ، ولاسيَّما أنَّه كان مخترقاً ظهره ، وتعالتٍ الصيحات الحانقة والخائفة ، وتذكَّر والظلام يغزو مقلتيه المتعبتين أولاده الذين ينتظرون عودته بفارغ الصبر ، فانطلقت من عينهِ دمعةٌ حبيسةٌ من دهرٍ ، وتمتم :
" اعذروني يا أحبَّائي ، فهذا كلُّ ما كان عندي | | | " .
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
مقالات قد تهمك
-
الكاتبة, ريتا عودة-فلسطين المسمار
-
الكاتبة, كُليزار أنور-العراق نوافذ للذكرى
-
الكاتبة, سحر سليمان-فرنسا قاع البئر
-
الكاتب, حسام سفان-الإمارات العربية المتحدة تأريخ زهرة
-
الكاتبة, فاطمة الفلاحي-العراق
-
الكاتبة, فاطمة عزت محمد البرماوي-الأردن رقــم خاص
-
الكاتب, حسان محمود الحسون-السعودية غبار- قصص قصيرة جدا
-
الكاتب, ضرغام فاضل-العراق مساعدة غير مقصودة...
-
الكاتب, ريان عبد الرزاق الشققي-السعودية انعدام الوزن والذقون
-
الكاتبة, كُليزار أنور-العراق صندوق الدنيا
|