يُحكى أنَّ ثعلباً قرصه الجوع فخرج من وكره يبحث عن طعامٍ يقتاتُ بهِ ، ومضى يتجوَّل في الغابة ، ولسوء حظه كان الجوُّ ينذر بالمطر ، فالسماء ملبَّدةٌ بالغيوم السوداء المحمَّلة بالماء الذي يتساقط كلَّ حينٍ على شكل رذاذٍ خفيفٍ استعداداً لهطولٍ عنيفٍ ، لكنَّ ذلك لم يثنِهِ عن متابعة البحث عن رزقه ، وفكَّر أن يذهب للمزرعة القريبة فلعلَّ الكلب يختبِئ من المطر فيقتنص دجاجةً ، وفعلاً تسلَّل حتَّى أصبح بالقرب من المزرعة ، ودار حول السور حتَّى أصبح قريباً من قُنِّ الدجاج ، وانسلَّ من تحت السور بصعوبةٍ ، وصار يزحف على الأرض الباردة المبللة بالمطر ، وحينما استدار نحو باب القن بدأت الدجاجات بالصياح لمَّا شعرت بهِ ، وتراجع بسرعةٍ لأنَّه سمع صوت عواء الكلب حارس المزرعة ، وبالكاد خرج عندما نهشه الكلب في ذنبه فقفز للخارج وهو يصيح متألماً ، وقال للكلب من وراء السور :

" عجباً لك أيُّها الكلب نحن أبناء جِلْدَةٍ واحدةٍ ، وأنت لا تألُ جهداً في إيذائِي " .

قال الكلب مزمجراً : " أنت عدوي ! " .

قال الثعلب مراوغاً : " بالعكس نحن إخوة وأبناء عم، فلك نفس أنيابي ، وأذناك كأُذنيَّ ، و..... " .

قاطعه الكلب : " لكنَّنِي لا أُهاجم الحيوانات البريئة وأُؤذيها مثلما تفعل أنت .".

قال الثعلب : " واللحم والعظم .. أنت تحبُّهما مثلي تماماً ... "

قال الكلب : " أحبُّهما .. ولكنَّنِي لا آخذهما بإيذاء الآخرين ... " .

قال الثعلب : " لِمَ لا نتفق و .... " .

قاطعه الكلب من جديد : " سنتفق عندما تعقد النار صداقةً مع الماء .. " .

يئِسَ الثعلب من الكلب ومضى نحو الغابة من جديد ، وظنَّ أنَّ الحظَّ ابتسم له من جديد ، فقد وجد أرنباً يتقافز هنا وهناك ، وببطءٍ شديدٍ توارى خلف شجرةٍ كيلا يشعر بهِ الأرنب ، ثمَّ زحف بين الأعشاب ويبدو أنَّ الأرنب شعر بهِ فقد توقَّف فجأةً وبدأ يحرِّك أُذنيهِ في مختلف الاتجاهات ، كما بدأت عيناه تدورانِ في حركةٍ محمومةٍ ، وفجأةً قفز الثعلب نحوه ، فأطلق الأرنب ساقيهِ للريح ، وبسرعةٍ شديدةٍ جرى نحو جُحرهِ ، والثعلب يجري بأقصى قوته خلفه ، وقلَّتِ المسافة بينهما ، وما إن كاد يدنو من الأرنب كثيراً حتَّى دخل الأرنب جحره أسفل شجرةٍ ، ولشدَّة اندفاعه لم يستطع أن يوقفَ اندفاعه ، فارتطم رأسه بالشجرة وارتمى أرضاً ، والدنيا تدور من حوله ، وكان يرى من موقعه وهو على الأرض السماء من بين رؤوس الأشجار ، وكل شيءٍ يدور فوقه ، وعندما بدأت آثار الصدمة تزول عن رأسه ، سمع صوت ضحكٍ بشعٍ يأتي من الأعلى ، رفع رأسه ونظر فوقه فرأى غراباً على شجرة دِلْبٍ باسقةٍ ، فغضب الثعلب من استهزاء الغراب بهِ وقال له :

" اضحكْ وأنت بعيدٌ ... لو كنْتَ أمامي لِما ضحكْتَ أبداً .. "

قال الغراب : " ها أنت تثبت غباءك من جديدٍ ، هل ترانِي أحمقاً حتَّى أدنوَ من حتفِي .. أنا أضحك لأنَّ المنظر كان مثيراً للسخرية والشفقة .. فأنت لن تقدر على اصطياد الأرنب بِهذه الطريقة .. " .

قال الثعلب ساخراً : " وما هي الطريقة الْمُثلَى أيُّها المتحذلق ؟ " .

قال الغراب : " أنا لن أستطيعَ أن أدلَّك على طريقةٍ لاصطياده ، بل أدلُّك على طريقةٍ أفضل وأريح لتناول الطعام دون بذلِ جهدٍ " .

قال الثعلب بلهفةٍ وقد نسيَ غيظه من الغراب وتذكَّرَ جوعه : " وما هي ؟ " .

قال الغراب : " اذهبْ إلى الأسد وقدِّمْ له فروض الطاعة والولاء ، وستأكل عنده. " .

قال الثعلب : " كيف سآكل عنده ؟ "

قال الغراب : " عندما يفترس الأسد فريسةً فإنَّه غالباً ما يترك نصفها ، ويبقى يومين أو ثلاثة دونَ طعامٍ ، ومعروف أنَّ الأسد لا يأكل طعاماً صار جيفةً فلن يزاحمكَ على بقايا فرائسه .. وأنت تعلم أنَّ الحيوانات المفترسة لا تجرؤ على الدنو من الأسد لأخذ ما بقي من طعامه ، فلو تقرَّبْتَ من الأسد كان هذا خيراً من أن يذهب بقايا طعامه هباءً منثوراً .. " .

قال الثعلب وقد راقت له الفكرة : " فكرةٌ جميلةٌ " .

قال له الغراب : " ابدأ بتنفيذها فوراً .. ذلكَ خيْرٌ من أن تبيتَ جائعاً .. " .

مضى الثعلب إلى عرين الأسد ، وتقدَّمَ من الأسد الذي كانَ جالساً ينظر حوله وبالفعل كانت أمامه يقايا فريسةٍ سال لها لعاب الثعلب الجائع ، وتمالك الثعلب نفسه ثُمَّ مضى ببطءٍ وهو ينحنِي نحو الأسد ويقول له :

" صباح الخير يا ملكَ الوحوش ! " .

نظر له الأسد نظرةً فارغةً ، لكنَّها كانت كافيةً لجعل الثعلب يتردَّدُ وهو يتراجع للخلف خطوةً ، ثُمَّ قال الأسد بصوته المزمجر :

" ماذا تريد منِّي أيُّها الثعلب ؟ ! " .

قال الثعلب وقد شجعه السؤال : " لا أُريد سوى أن أنعم بقربكَ أيُّها الأسد المحترم ! " .

من جديدٍ عاود الأسد النظر للثعلب وقال له : " وما هي المناسبة التِي جعلتك تخطب ودِّي " .

قال الثعلب وعلى فمه ابتسامةٌ مداهنةٌ :

" يكفينِي أن أكونَ قربكَ أنعم بالحماية والأمان " .

قام الأسد من مكانه ثُمَّ دار حول الثعلب دورتيْنِ جعلتا قلب الثعلب يكاد ينخلع من مكانه ، ثُمَّ قال :

" أيُّها الثعلب أعلم علم اليقين إنَّك مخادعٌ ، وأنت قادرٌ على الدفاع عن نفسك، ولا ريب أنَّ هناك سببٌ آخر جعلك تأتينِي " .

قال الثعلب بعد برهة صمتٍ : " حسناً يا ملك الغابة لن أخدعكَ ، عَنَّ لِي أن أكونَ لك عوناً في البحث عن الطرائد ، ويكون نصيبِي منها ما يبقى منك أقتاتُ بِهِ فقد تعبْتُ من الجري وراء الطرائد دون فائدةٍ تذكر غالب الأحيانِ " .

نظر له الأسد ثُمَّ قهقهَ مزمجراً : " ولكنْ إيَّاكَ من أن تفكِّرَ في خداعي ، فإنَّ انتقامي رهيبٌ " .

قال الثعلب متردِّداً : " بالتأكيد .. يا سيدي .. بالتأكيد " .

وهكذا أصبح الثعلب يعيش على ما يقدِّمه له الأسد من بقايا طعامه ، وغالباً لم يكن الأسد يحتاج مساعدة الثعلب ، غيْرَ أنَّ الثعلب قدَّم له أكثر من مرَّةٍ مساعدةً نافعةً في اصطياد الحيوانات ..

قديماً قالوا دوام الحال من المحال ، ولذلك لم تمضِ أيَّام الصفو والهناء بين الأسد والثعلب كثيراً ، فذات مرَّةٍ كان الثعلب يتمشَّى في الغابة إذ وجد نفسه بالقرب من نهر ماءٍ جارٍ ، ووجد عنده قطيعاً من الغزلان يشرب ، وظنَّ الثعلب أنَّه قادرٌ على اصطياد غزالٍ منهم ، وفعلاً هجم عليهم ولكنَّ الغزلان فرَّتْ من وجههِ ، وجرى خلفها حتَّى تعب ، وعاد يلهث غيرَ أنَّه لاحظ وجود غزالٍ يعرج عرجاً خفيفاً مِمَّا جعله أبطأ من بقية الغزلان ، وهكذا مضى إلى الأسد وأخبره بمكان الغزلان ، ولمَّا كان الأسد جائعاً جوعاً شديداً فإنَّه هرع إلى المكان ، ثُمَّ كمن بالقرب من القطيع ، وتسلَّل بخفتهِ وما إن دنا منها حتَّى قفز نحوها فهرعت الغزلان خائفةً ، ولكنَّ الأسد ركَّز جهده على الغزال الأعرج ، وبالفعل في أقل من دقيقةٍ كان قد افترسه وجلس يتناول لحمه ، والثعلب يحوم حوله منتظراً دوره، ولشدة جوع الأسد التهم كلَّ لحم الغزال وترك للثعلب المغتاظ عظاماً لا تسمن ولا تغني من جوعٍ ، ومضى الأسد لعرينه وألقى نظرة شبَعٍ على الثعلب الذي أغضى بصره وهو لا يجرؤ أن يعترض وإن كان في داخله يشعر بمرارةٍ فظيعةٍ .

جلس الثعلب بعيداً عن الأسد النائم يفكِّر بطريقةٍ ينتقم فيها من الأسد ، غير عابئٍ بأنَّه بانتقامه هذا سيقطع عنه الرزق ، لكنَّ الجوع أعمى عينيهِ ، وكان بالفعل قد وصلَ إلى خطةٍ مُحكمةٍ للخلاص من الأسد .

بعد يومين من تلك الحادثة ، جاء الثعلب للأسد يخبره بوجود مكانٍ للصيد حيث مجموعة من الظباء ، وكان الأسد يحب لحم الظباء فسال ريقه وهو يُمنِّي نفسه بوجبةٍ لذيذةٍ ، ونظراً لِما يشعر به من جوعٍ فقد كان ذلك سبباً لتعمى عيناه ، واقتاده الثعلب إلى فخٍّ محكمٍ لأحد صيادي الأسود من البشر ، ولمَّا اقترب من الفخ ابتعد الأسد الذي وقع في حفرةٍ أمسكت بهِ بسبب فخٍّ أطبق على كاهله ، وارتفع صوته يستنجد بالثعلب الذي وقف بعيداً وهو يقول :

" هذا جزاء من اغترَّ بقوته ، ونسي ذكاء الضعفاء " .

ولم يكتفِ الثعلب بذلك بل عمد إلى قطيعٍ من حُمُرِ الوحش المعروفة بجريها كجماعاتٍ ، وحوافرها تهلك من يقع تحتها وبالفعل جاء الثعلب من ورائِها بحيث يكون وجهها تجاه الأسد وقلَّد زمجرة الأسد ، فارتاعت وجرت جرياً سريعاً باتجاه الأسد الذي لم يستطع أن يفرَّ من أمامها ، وهلك شرَّ مهلكٍ ، وهكذا كان انتقام الثعلب مريعاً .

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب