يفيض قلبك بذكرى من تحب،وليس كالجد،انسان يبقى في ذاكرتك،فتدمع عيناك عليه،بعد سنوات من رحيله،فتفتقد وجهه المهيب،ويده الحانية عليك في منبت طفولتك.
جدي كان يعمل في دق الحجر.دقيّق حجر.بيوت كثيرة في القدس وعمان،تقول لي ان جدك كان هنا،وكأن الحجارة القاسية التي احالها جدي الى قطعة فنية نابضة تعترف بأن سر الانسان في يمينه،دقيقاً للحجر كان ام رساماً او كاتبا صحفياً.
قتل اليهود والدته،وهو في مطلع شبابه،في الطريق بين القدس وبيت لحم،وبقي جسدها ُمسّجى ليوم حتى تم دفنها.تورّدت يومها كشجرة لوز.ومازالت طرية الجسد،في ذلك الجبل المقدسي الذي يفيض شهادة،كشهادة كل الذين رحلوا ساعة غدر او احتلال.
بقيت قصة والدته ترتسم على وجهه،فالطفل المقدسي،الذي عاش دون والده،ثم فقد والدته،شرب الحزن في عمر مبكرة،واذ كان الحزن يسرق محياه،فإن خلف هذا الوجه،كان نوراً من العطف،يتدفق في كل لحظة.
كلما ارى حجراً ابيضاً مدقوقاً بعناية،أتذكر جدي،وأتامل هذه القدرة الفذة في الانسان التي تجعله قادراً على اقتطاع الحجر من الجبال،ثم قصه الى قطع أصغر،ودقها،وصناعة بيت يفيض بالحب من أصل الحجر
.
الحجر اصل الحياة.الجبل الصخري لو انزل الله عليه القرآن لتشقق من خشية الله،لان للجبل قلبا واحساسا،والماء الرقيق لايفيض الا عبر الحجر،وموسى اذ ضرب الحجر بعصاه،انبجست منه اثنتا عشر عيناً.
«ارق الاشياء» في حياة الانسان،تفيض عبر «بوابات القسوة» في حالات كثيرة.جدي كان حزيناً وجاداً،غير ان وراء هذا الوجه نهر من النبل والصبر،والماء السلسبيل يفيض ايضاً عبر قسوة الحجر،واجمل البيوت تلك التي ُولدت من حضن الجبال.
في جدي كل الفصول الاربعة.احيان كثيرة أفتقده في ساعات الليل المتأخر،ولاانسى تلك الضحكة التي كان يسقيني بها،وكأن الوجه الوضاء خصني به وحدي،ولربما كان يعرف ان قلبي الرقيق جداً،لايحتمل الا الوجه الاخر في شخصيته.
تأسف كثيراً على من يعيشون بلا ذاكرة،كثرة منا منزوعة الذاكرة،كما الحليب منزوع الدسم،والقلب الذي يخلو من حكايات الاجداد والجدات،والاباء والامهات،حديقة مجدبة،ارض بلا ورود ولا ياسمين،بحر فاض به الملح حتى تشققت شواطئه من كمدها وغمها.
في طفولتنا كنا ننادي الجد بتعريف الاب،وكثرة منا،كانت تقول للجد «يابا».اصل ابي هو.كما اصل الزيتون،فلا ُينسى ابداً.
اروع انواع الدلال التي قد يحوزها الانسان في حياته تأتي على يد الجد والجدة دوماً،والمثل لايكذب..»ليس اغلى من الابن الا ابن الابن»،ومقابل الاب الذي قد يعاقبك قد يحميك الجد من خطأك،وسطوة الاب،احياناً،ُتخفف منها رحمة الجد،والجدة ايضاً.
كلما ارى حجراً مدقوقاً بلطف مبهر،اسمع نبض قلب الحجر،وارى جدي مازال يدق الحجر،صوت «الازميل» لا يفارق اذني،حتى كأني برحلة الشتاء والصيف بين القدس وعمان،حيث كان يتنقل ويعيش ويعمل،مازالت في اولها.
حجارة البلدة القديمة في القدس،دقها اجداد سابقون.والحجر في كل مكان ساكت،باستثناء حجارة البلدة القديمة في القدس،لانها تنطق بأسماء من مروا من هنا،مرور العشاق،لا عبور الغرباء،وسراق الليل.
«سر المهنة»يفسر البراعة،وليس من مهنة تفوق كل المهن الا مهنة جدي الراحل،لان سر مهنته يقول ان للحجر الابيض قلبا نابضا،يسمعه المبصرون،تسبيح آناء الليل واطراف النهار،وتذكير بالمدن المقدسة،والجد الذي لا يغيب.
لي في القدس وعمان،يد جدي،ولي في يد جدي ضوء لايتبدد،وهو لم يرحل الا بعد ان همس بوصيته في عيّني لا أذنّي قائلا:لك في كل بيت في الاردن وفلسطين،نبضة قلب،فأخفق معها،وكن من الخافقين.
سلام على بلاد مباركة من شرقها الى غربها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة ماهر أبو طير جريدة الدستور
login |