البارحة فقط، تنبهت إلى ان ذاكرتي، لم تعد كما كانت، ولربما بدأ العمر يترك بصمته،أو قل هي تأثيرات الصيام في هذا الطقس الحاد.
حياتنا باتت صعبة، خصوصاً في مشرق عربي عاطفي، يؤمن بالمشاعر، قبل الأرقام، و إذ اكتشف ان علي حفظ عشرات الأرقام السرية وكلمات السر، وغيري مثلي، أحس ان الرقم بات سيد حياتنا، ونحن اسرى له.
من رقم هاتفك الذي تحفظه،الى رقم هاتف بيتك،مروراً برقم هاتف والدك او زوجتك،ومع هذا حفنة ارقام لاناس يهمهم امرك،فتصحو بعد زمن،واذ بك لاتحفظ اي رقم، وتترك المهمة لتخزين الاسماء، فلا تستغرب اذ تجد شخصاً لايحفظ رقمه الشخصي، ويضطر ان يبحث عنه، لان ذاكرته فاضت بالارقام.
فوق ذلك تأتيك الارقام السرية،اذ لك رقم سري،لبطاقة حسابك البنكي، فلاتسحب ديناراً من الصراف الآلي الا بتذكر رقمك،وينطبق الامر على ذات بطاقات الائتمان الاخرى، وعليك ان تحفظ رقم حسابك البنكي، ايضاً ثم رقم تأمينك الصحي،ورقم ضمانك الاجتماعي.
مع هذه الأرقام السرية والكلمات السرية، تأتيك كلمة السر لايميلك، وكلمة السر لحسابك على الفيس بوك، وكلمة السر لحسابك على التويتر، واذا امتلكت مدونة او موقعا الكترونياً فعليك ايضاً ان تحفظ كلمة السر لفتح هذه الحسابات.
شهادة ميلادك لها رقم،وشهادة رحيلك لها رقم،وذكرى يوم ميلادك رقم ،وذكرى يوم رحيلك رقم،والذكريات باتت قائمة على الرقم قبل المشاعر.
تحفظ رقم سيارتك، وتحفظ ايضاً رقمك الوظيفي، ومقدارعلاوتك المالية،ومعدلك في الثانوية العامة،ومعدلك في الجامعة،وتاريخ زواجك،وتاريخ ميلاد اولادك،ورقم صندوق البريد،وكود المدينة،وقد تحفظ كوداً دولياً لهاتف تطلبه باستمرار.
تحفظ ديونك كلها،وكل واحد كم يريد منك،فتضع اسمه، والى جانبه الرقم المطلوب،ولو تم تسميع قائمة الديون واصحابها وارقامها، لحصل المدين على علامة كاملة،فهذه ارقام لاتنسى،لاهي ولا اصحابها.
هكذا اذاً، تعصرنت الحياة وفقدت تلقائيتها وبساطتها، وهذه امراض العصر،التي لايعرفها الجالس بعيداً عن كل هذا الهراء الالكتروني،الذي يحول ذاكرتك ويومك الى مجرد ارقام، تفيض كل لحظة،وتحتاجها كل لحظة،ولا أحسد أحداً الا ذاك الذي يعيش بعيداً عن المدينة، ولا يعترف بتكنولوجيا المعلومات، ولا بالأرقام،تاركاً اموره على السبحانية.
لو تأمل كل واحد منا الأرقام التي تخصه،والارقام السرية التي يتعامل معها،والتواريخ،وكلمات السر الى آخر القائمة،لاكتشف ببساطة ان حياته لم تعد بسيطة،فيضطر ان يسجل كل هذه الارقام على ورقة ويخفيها، او يلجأ الى ذاكرته فتخونه في لحظة ما.
كل شيء بات بحاجة الى كلمة سر حتى يفتح ابوابه،باستثناء الحب والعطف وتلك القيم الانسانية،فرقمها السري مودع في القلب،لايتغير،ولايتم السطو عليه،ولايمكن عبره العبث بالحساب،وهكذا يبقى القلب،الاكثر رقة في هذه الدنيا،لان مفتاحه كلمة لطيفة،وابتسامة في وجه الاخر،وحسن معاملة،ورقة واحترام،وكلها كلمات سر،تتمرد على الارقام،وتذكرك ان المشاعر فوق الارقام ودلالالتها.
اي حياة هي تلك التي باتت مجرد أرقام في أرقام، وكلمات سر في كلمات، فيما غاب القلب وتوارى بعيداً أمام هذه القسوة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة ماهر أبو طير جريدة الدستور