لا تزالُ أُمِّي شجرةً غرست ثمارها في قلبِي وأينعت ثمارها محبَّةً في روحي، ولئِن طواها الموتُ في عالمِ الغيبِ فإنَّ ذكراها ستبقى منارةً لظلمة النَّفسِ التِي تفتقدُ الحنانَ الأبديَّ
ولكن كيفَ تلقَّيْتُ نبأ وفاتها رحمها الله تعالَى ؟ |
كنْتُ في مدرستِي ، وقد أدخلوها قبل أيَّامٍ في المشفَى وقد زعم الطبيبُ أنَّ عِلَّتها هيِّنةٌ، ولكنَّهم أخطؤوا في علاجها، مِمَّا اضطَّرهم لإجراء عملٍ جراحيٍّ في قلبها، ولكنَّ قلبها الذي وسعنا جميعاً وأغدق محبَّةً على من حوله لم يستطعِ التحمُّلَ فكان يوم الأربعاء الذي أسلمت فيهِ روحها للبارئ سبحانه وتعالَى، وكما قُلْتُ لكم كنْتُ في مدرستِي آنذاك ، و..... دعونِي أسترسلُ لكم في خواطري ...
حينَ أتانِي النبأُ الحزينُ ؛ نبأُ وفاةِ أُمِّي الطَّاهرةِ ، لَمْ أُكذِّبْ أُذُنِي بِقَدَرِ ما وجدْتُ نفسِي مُتقلِّباً بيْنَ الدَّهشَةِ واليَقِيْنِ ؛ الدَّهشَة من أنَّ هذا يَحدثُ للآخريْنَ، فكيفَ حدثَ لنا ؟ واليقيْنُ وهو نوعٌ من التَّسليْمِ بقضاءِ اللهِ تعالَى ، فكأَنـَّما كانَ الْخبَرُ برداً وسلاماً على قلبِي ، إذْ ما نَفْعُ البُكاءِ والعويْلِ ، فَمَنْ ماتَ لن يعودَ إلى هذهِ الدُّنيْا .
وكأَنـَّما انكشفَتْ أمامِي الـحُجُبُ ، وانْمحتِ الـمسافاتُ ،وشَخُصَ وجهُ أُمِّي الطيِّب لعينِيَّ ، وهي – كعهدي بِها – تبتسمُ ابتسامتها العذْبُ الحنون التِي تغسلُ بِها كُلَّ تعبِ الدُّنيا حيْنَ أراها ، وأصغيْتُ لأسمعَ صوتَها الدَّافِئ ، يقول لِي ألاَّ أحزنَ ، فهيَ قد عادتْ بعدَ رحلةٍ طويلةٍ فِي دُنيا الشَّقاء ، إلى بارِئِها الذي لَنْ يضيمَها .
وتداعتِ الذِّكرياتُ كالشلاَّلِ الدَّافقِ ، يَهدرُ في السَّمعِ ، وارتدَّتْ بِي بعيداً إلى الطفولةِ ، حيثُ كنْتُ أحبُو وما إن أكادُ أقعُ أرضاً حتَّى تُهرع أُمِّي لتتلقفَنِي، وحيْن كبُرْتُ قليلاً حرصتْ على تعليمِي الصَّلاةَ والدِّيْنَ والعِلْم – بِقدرِ ما تفهمُ – وكم كانتْ تطيِّبُ خاطري كُلَّما أزعجنِي شيءٌ ، وما أزالُ أعيشُ تفاصيلَ تلكَ الليلةِ التِي افترسنِي فيها ذلك الألمُ الرَّهيبُ في أسنانِي ، وكانتْ دموعِي تنهمرُ من شدَّةِ ما أُعانيهِ ، وحينما رأتنِي تلك الطَّاهرةُ ضمَّتنِي إلى صدرها الدافِئ، ووضعْتُ رأْسِي على صدْرِها الحنون، وبيدِها الحانيةِ تُربِّتُ على رأسي ، فواللهِ ما شعرْتُ بالألمِ إلاَّ وقدْ زالَ ، فكانتْ – كما هي دائِماً – بلسماً وشفاءً، وغفوْتُ قريرَ العيْنِ هانئاً سعيداً ، وأنا على حضنِها .
كنْتُ برّاً بِها عطوفاً عليها ، أحبُّها أصدقَ الحبِّ، لأنَّها القلبُ الوحيدُ الذي أعطى وأجزلَ العطاءَ دون أن ينتظرَ مقابلاً لعطائهِ، وهي الرُّوحُ التِي وهبتنِي الحنانَ والصِّدقَ من غيْرِ غايةٍ، وكثيراً ما كنْتُ في الليالِي أجثو جالساً عند قدميها أشمُّ عند قدميها الطاهرتيْنِ ريْحَ الجنَّةِ ، وأتأمَّلُ وجهها المليء بتجعُّدات السنين ولكنَّهُ مضيءٌ بنورِ الرحمن، فأرى الهمومَ على مُحيَّاها فأسألُها فتقولُ:
( إنَّها همومكم يا بُنِيَّ ) ..
عاشتْ في مطبخها لتطبخَ لنا وتطعمنا، وعاشت في كلِّ ليلةٍ تفكِّر في مشاكلنا وهمومنا وآلامنا، وماتتْ وهي على ديدنِها تفكِّر ماذا ستطبخُ لنا في غدٍ ؟
كم قُلْتُ لها عن وصاتِها لنا فكان قولُها :
( أحِبُّوا بعضكم بعضاً ، بقدرِ ما تحبُّونَنِي أخلِصوا لبعضكم ) .
رحمكِ الله تعالى أيَّتها الأم الغالية ، نِعْمَ الأمُّ كنْتِ ، قدَّمْتِ لنا عصارةَ عمرِكِ، وضحَّيْتِ بزهرةِ شبابِكِ وأنْتِ تُربِّيننا وتحنيـنَ علينا، لتريننا ناجحيْنَ في دنيانا، سأَظلُّ ولداً صالحاً لكِ ، وأدعو في كلِّ وقتٍ ليدخلكِ الله تعالَى في فسيحِ جنَّاتهِ، موقناً أنَّهُ مهما نقدِّمُ للأمِّ نبقى مقصِّريْنَ في حقِّها.
كفكفْتُ دمعةً كبيرةً سالت على خدِّي وقلْتُ لنفسي:
( سأبقى على عهدكِ يا أُمِّي ، لن أنساكِ ، وسأدعو الرَّحيمَ يتغمَّدُكِ برحمته الواسعة في كلِّ صلاةٍ، وسأسيرٌ على خطاكِ في فعلِ الخيْرِ وحبِّ الآخرين )..
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
|