رحل الأستاذ عرفات حجازي، أول نقيب للصحفيين في الأردن، وقد كان يحمل العضوية رقم واحد في النقابة، وهو إلى ذلك رئيس تحرير لعدة صحف يومية، وكان شخصية معروفة سياسيا واعلاميا.
عرفته مبكرا، في بداية عملي بالصحافة، وأذكر إذ كنت مراسلا لمجلة «سوراقيا» الصادرة في لندن، مطلع التسعينيات، ان فوجئت ذات يوم بغلاف للمجلة عليه صورة الملك الحسين، وقد تمت عنونة الغلاف بكلمة واحدة هي «ضراعة» وفيها يروي الراحل عرفات حجازي اسرار انقلاب العراقيين على العهد الملكي.
الاستاذ عرفات كتب قصة الانقلاب كاملة في المجلة اللندنية، لانه كان في بغداد في مهمة صحفية وقت الانقلاب منتصف الخمسينيات،وروى تفاصيل مؤلمة عما فعله عراقيو الانقلاب انذاك بحق افراد العائلة المالكة، وفي ذات الموضوع يروي كيف غادر بغداد الى عمان حيث استقبله الملك الحسين بلباس ميكانكي في قصره بعد ان غادر متنكرا، وكيف ان الملك دمعت عيناه والاستاذ عرفات يروي له التفاصيل الدموية.
سبب عودة الاستاذ الراحل عرفات حجازي الى قصة حدثت في الخمسينيات وكان شاهدا عليها، وكشف تفاصيلها في التسعينيات،يعود الى ماردده عراقيون حول ان الملك الحسين انتقم من العراقيين شر انتقام، عبر اقناع صدام حسين بقصف ايران والدخول في حرب معها،ادت الى قتل ملايين العراقيين،واعاقة اعداد اخرى ودخول الموت والحزن الى كل بيت عراقي.
لان عددا من العراقيين كان يظن ان الملك الراحل فعل ذلك انتقاما لابناء عمومته الذين تم قتلهم في العراق والتمثيل بأجسادهم،على اساس رواية لا يعرف مصدرها احد تقول ان الملك الحسين اقسم انه سيجعل الحزن والموت يدخل كل بيت عراقي، وانه تضرع الى الله ان ينتقم من العراقيين، وهذه رواية يتم تداولها بين بعض العراقيين ويجعلها البعض اساساً لتوريط صدام في حرب ايران.
بيد ان الاستاذ الراحل وفي قصة الغلاف الذي جاء تحت عنوان «ضراعة» نفى ان يكون الملك تضرع الى الله بأن ينتقم من العراقيين او انه نوى الانتقام من العراقيين،والموضوع المنشور في مجلة «سوراقيا» قرأه الملك الراحل في التسعينيات واتصل بالاستاذ عرفات حجازي ليشكره على ماكتبه فقد كان شاهد عيان على الانقلاب، وفر يومها من بغداد بلباس ميكانيكي الى الديوان الملكي في عمان.
مثل هذه القصة التي عاشها الاستاذ الراحل تثبت كيف ان الصحفي في حالات كثيرة يتفرد على غيره بكونه جزءا من المشهد السياسي، فهو يطل على المعلومات والاسرار، وهو ايضا يؤثر على الناس وصاحب القرار، وهو ايضا يروي الحقيقة، ويخاطر بحياته في حالات كثيرة.
رحم الله الاستاذ عرفات حجازي، فقد كان عربيا قوميا، اردنيا وفلسطينيا ايضا، واتسم بكونه نقي السريرة، فلم يتسم بعنصرية ولاتمييز ولا اقليمية،كان يكتب عن مدينته الخليل وحرمها الابراهيمي، بحروف تنساب من قلبه، مثلما يكتب عن الاردن،عارفا سر الحبل السري بين ضفتي النهر،فما رفع راية لهوى، ولا حارب في معركة غير معارك هذه الامة.
كنا ننظر اليه والى جيله باعتبارهم الاباء، فلا ننسى لهم فضلا، بكلمة تعلمناها، ولا بفكرة التقطناها، ولا برأي تم طرحه،ومامن صحافي في الدنيا الا وله أب في المهنة، وفي حالات اخرى، يتعدد اباء المهنة، وتتوحد الكلمة تحت سقف قدسيتها.
نفتقده في هذا الصباح المبارك ونترّحم على روحه الطاهرة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة ماهر أبو طير جريدة الدستور